الضغوط النفسية وإستراتيجية مواجهتها ..
الضغوط النفسية وإستراتيجية مواجهتها ------ الأستاذ الدكتور عباس علي شلال
إشكالية الضغوط النفسية..
تعد الضغوط النفسية من المفاهيم ذات
العلاقة بصحة الانسان المتنوعة لاسيما النفسية منها، بحيث يحدث أمرها وأثرها
تدريجيا وتصل إلى الحد الذي لا يستطيع الفرد التوافق معها أو تحملها، لذا فهي من المشكلات
أو الصعوبات التي يتعرض لها الفرد في حياته وتسبب له توترات وتهديدات، مما يؤثر
على سلوكه وأدائه وعلاقاته وطموحاته المستقبلية.
وهي ظاهرة قديمة ملازمة للانسان غير انها
أصبحت سمة عصرنا الحالي الذي اصبح فيه من جانب التسارع شرط لمواكبة التقدم والتطور
في شتى الميادين، ومن جانب آخر تعقد الحياة وتزاحم متطلباتها وما تعكسه من أعباء
وأحمال تلقي بظلالها على ذات الانسان، لذا يُنظر اليها بعدّها التوترات أو الأحمال
الثقيلة التي تلقى على كاهل الفرد.
إذ نلحظ الاشارات والتلميحات الضمنية
واضحة في آراء معظم العلماء والباحثين وفي تعريفاتهم للضغوط النفسية بان العامل
المشترك فيها هو الحمل (العبء) الذي يقع على كاهل الفرد وما يتبعه من استجابات من
جانبه ليتوافق مع التغيير الذي يواجهه، وبما ان التغيير هو احدى الحقائق الثابتة
في الحياة فانه يمكن القول بأن التعرض للضغوط بدوره جزء من المعايشة اليومية للفرد،
وان لدى معظم الافراد ردود فعل للعوامل الضاغطة تتمثل في استجابات غير تكيفية (غير
متوافقة) يمكن ان تؤدي بدورها الى اعراض نفسية واختلال في السلوك او الاختلال
الوظيفي ، وقد ترتبط الاستجابات النفسية والجسمية غير الصحية باستمرار تلك الضغوط.
وهذا ما ذهب اليه لازاروس Lazarus بأن الأفراد ليس مجرد ضحايا التوتر ولكن الكيفية التي يقدرون بها الحوادث الموتِّرة ، والكيفية التي يدركون بها مصادر قدراتهم على التعامل مع تلك الحوادث هما اللتان تقرران نوعية العنصر الموتَّر وطبيعة التوتر.
ومما تقدم نشير الى ان أي فرد كالموظف او
العامل او رب الأسرة او ربة البيت او شيخ العشيرة او حتى المسؤول الحكومي يتعرض
الى ضغوط نفسية مختلفة منها داخل المؤسسة المعنية وأخرى متعلقة بضغوط حياتية
ومجتمعية عامة والتي قد تؤثر سلباً على أدائه وسلوكه وتطلعاته وحتما انه يستخدم
استراتيجيات مواجهة (أساليب تدبر) للتعامل مع الضغوط، وقد تختلف هذه الاستراتيجيات
تبعا لمتغيرات شخصية تتعلق بالفرد، ومتغيرات ثقافية وأخرى ديموغرافية متنوعة.
ويعد موضوع الضغط النفسي من الموضوعات
الرئيسة في كثير من العلوم كالطب والاجتماع والتربية وعلم النفس وسائر العلوم
الانسانية الاخرى، وقد شغل العلماء والباحثين ، ذلك لما يتركه من آثار ونتائج
خطيرة وقد تكون مدمرة على حياة الناس أفرادا وجماعات، ويرى المتخصصون في هذا
المجال ان الضغط النفسي يمثل احدى مشكلات العصر الحديث.
إن الضغوط النفسية حالة مرافقة للأداء البشري
وقادرة على الظهور في أي مكان وفي أي وقت ، وقد يأخذ الضغط النفسي أبعادا متعددة
في التأثيرات وفقا لاعتبارات المحيط الذي يظهر ويسيطر على الحالة البشرية المشتركة
في الفعل الإنساني.
أهمية دراسة وفهم الضغوط النفسية ..
ان للضغوط النفسية علاقة وثيقة بكثير من الاضطرابات ومنها السيكوسوماتية مثل ضغط الدم والسكر وتصلب الشرايين وعسر التنفس والقولون العصبي والصداع، كما أنها تؤدي إلى ضعف التركيز والذاكرة وتضاؤل القدرة على حل المشكلات والإدراك الخاطئ للمواقف والأشخاص كما أنها تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية مثل الانسحاب الاجتماعي والشك والعجز عن التوافق الاجتماعي.
وبينما ترتبط ضغوط الحياة بمدى واسع من
الاضطرابات النفسية والجسدية، فان مصادر المواجهة تعد بمثابة عوامل تعويضية
تساعدنا على الاحتفاظ بالصحة النفسية والجسدية معا، بشرط ان يعي الفرد كيفية
التحمل، وما العمليات او الاستراتيجيات الملائمة لمعالجة موقف ما، كما ينظر بعضهم
الى تلك العمليات على انها عوامل الاستقرار التي تعين الفرد على الاحتفاظ بالتوافق
النفسي والاجتماعي اثناء الفترات الضاغطة في حياته، وبات هناك اقتناع بضرورة
الاهتمام بدراسة هذه العمليات في محاولة الاجابة عن سؤال فحواه كيف يستطيع الفرد
ان يتحمل او يطيق او يدير الضغوط بنجاح في حياته ؟
ان الضغوط النفسية ظاهرة عالمية متعددة المصادر والأبعاد والوجوه، وكثيرة الحدوث في حياة الافراد ، لذا فان الفرد يجب ان يتعلم كيف يواجهها وكيف يعيش معها، واذا كانت دراسة تلك الضغوط ذات أهمية بالغة فان دراسة استراتيجيات مواجهتها تكون أكثر أهمية لأنها آليات التدبر والحماية التي تعمل لحفظ الصحة بكل صورها وأبعادها وكذلك تسهم في البناء النفسي والجسدي وحمايته.
والصحة من أساسيات التكيف الطبيعي وترتبط
بجانبين رئيسين هما: الجانب البدني والجانب النفسي، وتعرف على أنها التكامل وعدم
الانشطار بينهما، لكن من الملاحظ ولأسباب متعددة في الوقت الأخير انتشار الأمراض
والاضطرابات المختلفة التي تصيب الجسم.
ومن جابنه فقد لقي موضوع استراتيجيات
مواجهة الضغوط النفسية اهتماما بالغا من قبل الباحثين في كثير من التخصصات ،ويشير
المصطلح كما يرد لدى لازاروس وفولكمان Lazarus & Folkman 1984
الى التغير المستمر في الجهود المعرفية والذهنية لإدارة المطالب الداخلية
والخارجية للضغوط التي يعتقد الفرد انها متجاوزة لإمكاناته، اي انه سلوك ديناميكي
يظهر في مواقف الضغوط لتجنبها كلية، او التقليل من آثاره المختلفة او تحمله كاملا
وتقبله والرضا عنه لانه لا مفر منه.
وعلى
الرغم من ذلك فإن استخدام بعض هذه الإستراتيجيات دون غيرها محكوم بعدد من العوامل،
فقد اتضح في بعض الدراسات أن للجنس (ذكر وأنثى) أثراً في استخدام بعض
الإستراتيجيات فقد أظهرت دراسة كومار ورامامورت (Kumar
& Ramamourt 1990)
أن الإناث أكثر استخداماً لمجموعة من الإستراتيجيات منها طلب النصيحة والتحليل
المنطقي، والحصول على المعلومات أكثر من الذكور وأن الذكور أكثر استخداماً
لإستراتيجية إعادة التقييم المنطقي من الإناث.
ومن
جانبه أكد باندوار (Bandura,
1982) أن بناء
الشخصية وتنظيمها بما يتضمن من متغيرات الفاعلية الذاتية ، والثقة بالنفس ، والتحكم
بالمدرك عوامل مهمة في تحديد أساليب التعامل مع الضغوط فمثل هذه الشخصية أكثر
استخداماً لسلوك المواجهة Coping
Behavior والانضباط
الذاتي.
وهناك
دلائل تشير إلى أن استخدام نوع معين من الإستراتيجيات لا يتحدد فقط بسمات شخصية
الفرد أو جنسه وإنما بطبيعة المشكلة المسببة للضغوط، ففي الضغوط الصحية تبدو
إستراتيجية البحث عن المعلومات وطلب النصيحة أكثر استخداماً في حين أن التحليل
المنطقي والتقييم المعرفي أكثر استخداماً مع الضغوط الشخصية، وأن أسلوب حل
المشكلات أكثر استخداماً مع الضغوط المالية.
نظرة تعريفية في المفاهيم..
أولا : الضغوط
النفسية Psychological Stress..
يُنظر
اليها بانها الحالة التي تنتج حين يقود التفاعل
بين الفرد وبيئته الى ادراك تناقض قد يكون حقيقيا وغير حقيقي بين المطالب الناتجة
عن الموقف والموارد البيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية للفرد ذاته.
كما
ينظر اليها بانها حالة من الاجهاد النفسي والبدني تنتج من الاحداث المزعجة او من
المواقف المحبطة، والتي يتمخض عنها بعض الانفعالات غير السارة مثل التوتر والغضب
والاحباط.
كما تعبر عن المثيرات او التغييرات التي
تحدث في البيئة الداخلية والخارجية للفرد وتكون شديدة ودائمة والتي تسبب له عدم
القدرة التكيفية ، والتي تؤدي في ظروف معينة الى الاختلال في السلوك او الاختلال
الوظيفي الذي قد يسبب المرض ، وترتبط الاستجابات الجسمية والنفسية غير الصحية
باستمرار تلك الضغوط.
ثانياً: إستراتيجيات المواجهة Coping Strategies..
يُنظر اليها بانها مجموعة من الوسائل التي
تيسر التكيف مع البيئة ومواقفها الضاغطة لغرض تحقيق هدف او بعض الاهداف.
كما يشار لها بأنها مجموعة من انماط
السلوك الكيفية والمتعلمة والتي تتطلب عادة بذل الجهد ، وتحددها الحاجة وتستهدف حل
المشكلة ، كما يمكن السيطرة عليها وكفها او قمعها ، وبالتالي فهي تستخدم بمرونة كافية
كلما تطلب الموقف الضاغط.
وأنها الجهود المعرفية والسلوكية التي يبذلها
الفرد للتخفيف والتحكم والتكيف مع المطالب الداخلية والخارجية التي تنشأ في أثناء
تفاعله مع البيئة والتي تدرك بانها شديدة الوطأة او تفوق ما لديه من امكانات،
وتمثل نشاطات يقوم بها الفرد يسعى من خلالها لمواجهة المواقف الضاغطة وحل المشكلة
؛ بمعنى انها محاولة جادة للوفاء بمطالب البيئة من المواقف الضاغطة في محاولة لمنع
الآثار السلبية والانهاك.
هي استراتيجيات توافقية متعلمة ومكتسبة ، تمثل
محتوى السلوك ، وتستخدم للسيطرة على ازمات الحياة وظروفها الضاغطة، ومجموعة من الأساليب أو الطرائق والنشاطات
الدينامية والسلوكية والمعرفية التي يستخدمها الفرد في مواجهة الموقف الضاغط لحل
المشكلة وتخفيف التوتر الانفعالي المترتب عليها.
رؤية نظرية نظرية توصيفية التفسيرية
الضغوط النفسية.. يمكن الاشارة الى ان مصطلح الضغط النفسي
من المصطلحات المركزية والمفاهيم السيكولوجية الاكثر شيوعا في آراء علماء النفس
والأدبيات وذلك لارتباطه بالحياة اليومية للإنسان وما له علاقة بصحته الجسمية
والنفسية من جهة، ومن جهة أخرى كونه من المفاهيم التي تتسع حدودها وتتعدد مجالاتها
يوما بعد آخر بحسب تعقد الحياة وتنوع مصادر الاثارة فيها، ويمكن لنا توصيف هذا
المفهوم نظريا من خلال الآراء التي وردت في سياق أمهات الاتجاهات السيكولوجية
وكذلك بعض النماذج النظرية الحديثة.
يعد والتر كانون (Walter Cannon)
في نظرية المواجهة أو الهروب Fight
or Flight Theory أول من استخدم مصطلح
الضغوط النفسية ، إذ وصف البشر والحيوانات بأنهم واقعون تحت تأثير الضغوط وذلك من
خلال ربط الضغوط بتجاربه المختبرية في الهروب ورد فعل الهرب وذلك من خلال ملاحظة
ردة فعل الغدة الكظرية والجهاز العصبي السمبثاوي في مواقف البرد أو الحاجة الى
الأوكسجين، وقد أطلق عليها أيضا اسم الاستجابة الطارئة حيث يرى أن تلك الاستجابة
تجعل الكائن الحي أما أن يواجه الموقف الضاغط ويتصدى له وإما أن يتجنب هذا الموقف
ويهرب منه.
ويشير كانون الى أن
الكائن الحي يستطيع مقاومة الضغوط عندما يتعرض لها بمستوى منخفض، إلا أن الضغوط الشديدة أو الطويلة
الأمد يمكن أن تسبب انهيار الأنظمة البيولوجية التي يستخدمها الكائن الحي في
مواجهة تلك الضغوط وبذلك وصف "كانون" الأسلوب الذي يتم من خلاله محافظة
أجهزة الجسم المختلفة للكائن الحي بطريقة آلية على وسط متوازن الى حد بعيد ولأجل
البقاء في حالة توازن.
أما هانز
سيلي (Hanz Selley) في نظريته عن النسق الفكري فيشير الى
ان الضغط متغير مستقل وهو استجابة لعامل ضابط، كما يربط بين التقدم أو الدفاع ضد
الضغط وبين التعرض المستمر المتكرر للعوامل الضاغطة ، ويؤكد سيلي أن الضغوط من العوامل المهمة التي تؤثر في الصحة
لأنها تضعف وظائف الإنسان, إذ أن التغيرات الجسمية والانفعالية غير السارة التي
تنتج عن الضغط تؤدي الى مجموعة من الاعراض أطلق عليها اعراض التكيف العــام.
وقد بين أن التعرض المستمر الى
الضغط النفسي يؤدي الى حدوث
اضطرابات في انحاء الجسم المختلفة مما يؤدي الى ظهور هذه الاعراض التي أطلق عليها
اسم زملة أعراض التكيف العام والتي تحدث من خلال مراحل ثلاث: مرحلة الاستجابة
الانذارية ويظهر على الجسم تغيرات واستجابات تتميز بها درجة التعرض المبدئي للضاغط ونتيجة لهذه التغيرات تقل مقاومة الجسم
خصوصاً إذا كان الضغط النفسي شديداً في هذه المرحلة يؤدي بالفرد الى الموت ؛ ومرحلة
المقاومة وتتشكل نتيجة التعرض المستمر للحدث الضاغط وتختفي الاشارات الجسدية
المرتبطة مع ردود الأفعال التنبيهية وتزيد المقاومة ويبدو الجسم وكأنه عاد الى
حالته الطبيعية نتيجة النشاط الزائد للغدة النخامية، هنا يتم اكتساب القدرة على
التكيف مع الضغوط ؛ ومرحلة الإنهاك (الإجهاد أو الاستنزاف) وتتشكل بعد
استمرار الضغط لفترات أطول وبشدة أكثر، حين يصل الفرد الى نقطة تضعف فيها مقاومته
ويعجز الاستمرار في التكيف، حينئذ يدخل في
الإنهاك ويصبح عاجزاً عن التكيف بشكل كامل، وفي هذه المرحلة تنهار الدفعات
الهرمونية لديه وتنقص مقاومته الجسمية
وتصاب كثير من الأجهزة بالاضطراب والعجز.
ويؤكد كارل يونغ (Carl Jung) ممثلا لاتجاه التحليل النفسي على أن الضغط النفسي كمسبب للأمراض والاضطرابات النفسية ينتج عن الطاقة التي هي مع الإنسان بالفطرة وهذه الطاقة تنتج عن سلوكات فطرية وتطورها خبرات الطفولة مما يكون شخصيته المستقبلية وسلوكه المتوقع وإذا ما واجه الإنسان أنواعاً من الصراعات النفسية الداخلية نتيجة ضغوط حياتيه مختلفة يتغير السلوك المتوقع حدوثه وهو ما يسمى بالمرض النفسي الناتج عن الضغوط الذي يحتاج إلى علاج.
وفي هذا الاتجاه والسياق اطلق هنري
موراي (Henry Murray) على العوامل البيئية التي تؤثر في الشخص لفظة الحث Press وهي تلك الجوانب من البيئة التي تعمل كمحددات فعالة للسلوك مما
يدل على نزعة اتجاهية داخل الشيء او الموقف، والضغط يمثل المؤثرات الأساسية للسلوك
وهذه المؤثرات توجد في بيئة الفرد فبعضها مادي والآخر غير مادي وترتبط كذلك
بالأشخاص والموضوعات وهي محكومة بعدة عوامل بيئية ومعرفية واقتصادية واجتماعية.
ويحاول تشارلز سبيلبرجر (Charles Spielberger) في نظريته الربط بين قلق الحالة والضغط ويعد الضغط سبباً واضحا للقلق ، ويشير الى ان مصطلح الضغوط Stress يعني التغيرات في الأحوال البيئية التي تتسم بدرجة ما من الخطر الموضوعي ، فالفرد في هذا الصدد يقدر الظروف الضاغطة التي أثارت حالة القلق لديه ثم يستخدم الميكانزيمات الدفاعية المناسبة لتخفيف الضغط (كبت ، إنكار ، إسقاط) أو يستدعي سلوك التجنب الذي يسمح بالهرب من الموقف الضاغط.
أما موس وشيفير (Moss & Schaeffer)
فقد قدما في نظريتهما فهما لطبيعة العوامل الأساسية المؤثرة في استجابة الفرد
للضغوط، إذ ان عمليات المواجهة والتكيف مع الضغوط تتضمن جهوداً سلوكية ومعرفية
يقوم ببذلها الفرد خلال تعامله مع الموقف الضاغط ، وقد حددا استجابة الفرد للموقف
الضاغط بثلاث مراحل:
-
الأولى تتمثل بالعوامل الشخصية والديمغرافية للفرد، وتتضمن النضج المعرفي
والوجداني وقوة الذات والثقة بالنفس والخبرات السابقة، وكذلك المتغيرات
الديموغرافية كالجنس والعمر والحالة الاجتماعية والاقتصادية للفرد، وتشمل أيضاً
العوامل المتصلة بالخبرات الضاغطة مثل نوع الحدث الضاغط، وتشمل العوامل
البيولوجية، فضلاً عن مدى تعرض الفرد للحدث الضاغط، وقدرته على مواجهته، والتحكم
في إثارة احتمالات وقوعه، كما وتشمل العوامل المتعلقة بالبيئة الاجتماعية
والفيزيائية، مثل العلاقات بين الأفراد وأسرهم ومدى تماسك المجتمع وتعاون الأفراد
في مواجهة الحدث الضاغط وتحمل الآثار المترتبة عليه.
- والثانية تمثل إدراك الحدث
الضاغط والتوافق معه ، وتضم إدراك الفرد للحدث الضاغط، والقيام بأعمال توافقية مع
الحدث الضاغط، وتوظيف المهارات أو الاستراتيجيات التوافقية، واكتشاف
الأسلوب الملائم للتعامل معه بهدف إعادة التوازن.
- أما الثالثة فتعبر عن مدى توافق الفرد في مواجهة الحدث أو
الموقف الضاغط ، وقد يكون ذلك التوافق ناجحاً، إذ يمكن للفرد الإفادة من الخبرات
التي حصل عليها في أثناء الحدث في مواصلة حياته، أو فشل في تحقيق التوافق فتظهر
عليه أعراض الاضطراب النفسي والجسمي.
الا
ان ريتشارد لازاروس (Richard
Lazarus).. الباحث
الرائد في التركيز على الاوجه النفسية للمشقة وكيفية التعايش معها فكان يرى ان
المشقة تحدث عندما يدرك الشخص الاحداث على انها مرهقة ومستنزفة لموارده ومهددة
لحسن حاله؛ وبمرور الوقت نظر لازاروس للمشقة بوصفها جزءا من المنحى الأعرض المتصل
بالانفعالات فقد طور نظرية علائقية–دافعية-معرفية في الانفعالات وهي نظرية معرفية
في تأكيدها عمليات التقدير والمعتقدات حول اللذات والعالم، وهي دافعية لانها تتضمن
دوافعا وأهدافا يواجه بها الفرد البيئة وهي علائقية في تأكيدها على العلاقة بين
الفرد والبيئة، ويتأثر الانفعال الذي يمر به الفرد بالمدى الذي يتماس به الموقف
والمواجهة الحادثة فيه مع أهداف المرء الشخصية ومدى اعاقة هذا الموقف أو تيسيره
لتلك الاهداف.
اعتمد
لازاروس على مفهوم التقدير المعرفي أو ما يطلق عليه "التقييم الابتدائي" الذي يشير الى تقدير العمليات المعرفية لمواجهة متطلبات
نمو الفرد، وهو مفهوم اساس يعتمد على طبيعة الفرد
ويمثل رابطة بين البيئة المحيطة بالفرد وخبراته الشخصية مع الضغوط ، ويعتمد
التقدير (التقييم) عوامل عدة منها العوامل الشخصية، وعوامل البيئة الاجتماعية،
والعوامل المتصلة بالموقف نفسه.
وان
الضغوط وفق نظرية التقدير المعرفي تنشأ عندما يوجد تناقض بين المتطلبات الشخصية
للفرد ويؤدي ذلك الى تقييم التهديد وادراكه في مرحلتين: احدهما خاصة بتحديد ومعرفة
ان بعض الاحداث في حد ذاتها سبب الضغوط ، والأخرى تتضمن تحديد الاساليب التي تصلح
للتغلب على المشكلات التي تظهر في الموقف، وأن شدة الضغوط تعتمد على إدراك الفرد
للموقف الضاغط أو تعامله مع الموقف الذي أدركه لكونه مهدد له، مما يؤدي الى استثارة
أفعاله والى موجهات سلوكية للتعامل مع الموقف الضاغط ومدى تخمين التغيرات النفسية الحاصلة.
ويوجد
لدى لازاروس تأكيد على المنحنى التوسطي المعرفي والذي يؤكد المعنى او التقدير
المعرفي للموقف، وتفهم المشقة في ضوء العلاقة بين الفرد والبيئة، وما هو شاق
بالنسبة لشخص ليس بالضرورة كذلك بالنسبة لآخر، وبالتالي لا يمكن الحديث عن تنبيه
شاق (حدث ضاغط) في ذاته ، بل بالأحرى يجب الحديث عن العلاقة بين الدرجة المحتملة
للضرر المدرك والموارد المدركة للتعايش، فالمشقة ليست في التنبيه او الموضوع لكنها
علاقة بين الشخص والحدث، إذن التقدير وفق النظرية هو الفهم الكلي للضغوط إذ تتضمن
استراتيجيات التعامل والنشاط المعرفي العصبي والاستجابة الانفعالية والفسيولوجية
والنتائج السلوكية.
والتقدير
المعرفي يعتمد دور الفرد، إذ أن تقييم التهديد ليس مجرد ادراك مبسط للعناصر المكونة
لذلك، ولكنها رابطة بين البيئة المحيطة بالفرد وخبراته الشخصية مع الضغوط وبذلك
يستطيع الفرد تفسير الموقف، ويعتمد تقييم الفرد على عوامل عدة منها العوامل
الخارجية الخاصة بالبيئة الاجتماعية ، وكذلك العوامل المتصلة بالموقف نفسه، وأن
الضغوط تتحدد بمدى الموائمة بين الشخص والبيئة فعندما تكون مصادر الفرد كافية ومناسبة
للتعامل مع الموقف الصعب، يشعر بقليل من الضغط، وعندما يدرك الفرد أن المصادر ربما
لن تكون كافية للتعامل مع الحدث أو الموقف إلا بشق الأنفس وبذل الجهد الكبير،
ويشعر بمقدار متوسط من الضغط ، أما عندما يدرك الفرد أن مصادره لن تكون كافية
لتلبية متطلبات البيئة فحينئذ قد يشعر بمقدار هائل من الضغوط، وبالتالي فان الضغوط
تنتج عن عملية تقدير الإحداث(كونها ضارة أو تمثل تحديا) وفحص الاستجابات الممكنة
لتلك الإحداث.
وقد
تبنى لازاروس عمليتين متوازنتين للتقييم: التقييم الأولي وهو إصدار الفرد حكماً
معيناً على نوع الضغوط ودرجة تهديده فقد يقيم الفرد الموقف على انه سلبي أو ايجابي
شديد أو ضعيف ويتأثر التقييم الأولي بعوامل الموقف إذ يتضمن طبيعة الأذى أو
التهديد أو اذا كان الحدث مألوفاً أو جديداً أو لم يسبق التعرف عليه من قبل ومدى
احتمال حدوثه ومدى وضوحه أو غموضه في توقع النتيجة ، والتقييم الثانوي والذي يكتسب
أهمية كبرى لديه ويشير الى قدرة الفرد على تحديد مصادر التعامل مع الموقف الضاغط وفق
نظرية الاختيار، والتقييم، إذ يتم التقييم بطرائق التعامل المتاحة ونتائج اختيار أي
منها واحتمال نجاحها.
استراتيجيات المواجهة.. المتتبع
للتراث النفسي فضلا عن المتخصص يجد ان الاشارة الى أساليب التدبر وحماية الشخصية
من الضغوط النفسية حاضرة في الادب النظري عموما وبأوصاف ومسميات مختلفة ، وعلى نحو
الخصوص ما طرحه الاتجاه التحليلي التقليدي تحت مفاهيم ومصطلحات السلوك الدفاعي أو
أساليب الدفاع والآليات الدفاعية (ميكانزم دفاعي) والتي تمثل دفاعات الأنا ضد
النزوع الفطري أو الغريزي وما يرتبط بها من انفعالات ؛ والهدف منها بحسب النظرية
تخفيف آثار الصراعات وما ينتج عنها من مظاهر وأعراض نفسية كالقلق وذلك من خلال خلق
التوازن بين مكونات الشخصية.
أما الرؤية المتجددة لهذا
الاتجاه والتي تبناها الفرويديون الجدد فقد طرحت تمييزا بين السلوك الدفاعي
التكيفي والآخر غير التكيفي ، فقدموا معيار التوافق للتمييز بين حالتي الدفاع
والمواجهة باعتبارهما حالتين غير متشابهتين ؛ فالمواجهة عادة تقترن بالمرونة
والسلوك الدفاعي يتصف بالجمود،
ويمكن القول ان الفصل بين المعان السيكولوجية المتصلة بالمواجهة لا تشبه تلك
المعان المتصلة المتصلة بالدفاع ، كما يمكن القول ان هذه الرؤية تمثل تطورا واضحا
في سيكولوجيا آليات الدفاع وفق الاتجاه التحليلي الحديث والمعاصر.
تشير هذه الرؤية الى ان
الدفاع والمواجهة عبارة عن بنائين مختلفين وظيفيا وجزء من هذه الرؤية ينظر الى
اساليب التدبر من خلال أساليب ثلاثة: الاول يمثل اسلوب المواجهة ويكون قائما على
الواقع ومتناسبا معه ومرنا ويتم وفق المنطق ؛ والثاني عبارة عن دفاع مشوه للواقع
ويتصف بالجمود ، والثالث هو اسلوب التشتيت وهو اسلوب مرضي.
وترى
بعض الاتجاهات النظرية في هذا السياق ان المعيار في تحديد وتمييز أساليب المواجهة
عن آليات الدفاع هو الوعي ، وعليه ربطوا الآليات الدفاعية بمراحل الطفولة والتي
تعد مراحل نمو مبكرة ، بينما اشاروا الى استراتيجيات المواجهة بعدّها مهارات واعية
بأنها تكتسب في مراحل متقدمة، ويصنف كل من لازاروس
وفولكمان 1984 وسائل الدفاع ضمن المفهوم العام للمواجهة حيث يريان ان آليات الدفاع
عبارة عن مجموعة فرعية من اشكال المواجهة البين-نفسية (Intra
Psycho) التي يتم
توجيهها نحو تعديل عمليات التقويم الذاتية للفرد.
ويرى
لازاروس وفولكمان (Lazarus
& Folkman) ان
المواجهة بطبيعتها تشير الى جهود سلوكية ومعرفية متغيرة باستمرار يتخذها الفرد
لإدارة مطالب الموقف، والتي تم تقديرها من جانبه بأنها مرهقة وشاقة وتتجاوز مصادر
الشخص وامكاناته، فقد أشارا الى ان الضغوط تحدث عندما يدرك الفرد ان المصادر
الداخلية والخارجية لديه غير كافية للتوافق والتعامل مع مطالب البيئة ، ولذلك يشعر
بالتهديد وعلى ذلك تنتج الضغوط بعد ان يقوم الفرد بنوعين من عمليات التقييم المعرفي:
اولهما التقييم الاولي ويحدث عندما يقيم الفرد الموقف على انه ضاغط ومهدد له ، في
حين ان التقييم الثانوي يحدد ما اذا كانت مصادر المواجهة المتاحة لديه سوف تخفف
تلك الضغوط ام لا ، وعليه فالمواجهة طبقا للأنموذج التفاعلي عند لازاروس وفولكمان
عملية وليست سمة ، وهي ايضا عملية مستمرة اكثر منها نتيجة.
وحين يتعرض الفرد للضغوط يمر بثلاث مراحل تتمثل بـ: التعرض للموقف الضاغط من خلال المتطلبات البيئية والشخصية ، ومدى أهمية الضغط ، وتقييم (تقدير) الموقف الضاغط ويمر بتقييم أولي عن نوع الضغط ودرجة التهديد، وثانوي في تحديد مصادر المواجهة للموقف وحرية الاختيار، والمواجهة وهي المرحلة الاخيرة التي يحاول الفرد من خلالها اختيار أحد البدائل المتاحة سواء اكان فسلجيا ام معرفيا ام سلوكيا عندما يواجه التهديد والتحدي.
وكلما واجه الفرد الظروف
والخبرات الضاغطة عندئذ سيحاول التعامل معها من خلال اتباع اساليب عدة تبعد عنه
الخطر والتهديد وتجعله في حالة من التوازن ، الا ان بعض الافراد قد يفشلون في ذلك
، وقد يرجع الى اختلاف الافراد انفسهم ومدى النضج والوعي الذي يتصفون به ،
واختيارهم لأسلوب الدفاع او المواجهة الملاءم ، وكذلك تنوع الاحداث ذاتها ،
واجمالاً فان استراتيجيات المواجهة كأساليب تدبر تحمي الشخصية من تلك الظروف
والاحداث الضاغطة وسلوك المشقة والتوتر.
وتنقسم استراتيجيات
المواجهة الى قسمين رئيسين: أحدهما يمثل الاستراتيجيات التي ترتكز على المشكلة،
والآخر يمثل الاستراتيجيات التي ترتكز على الانفعال.
وقد أظهر كل من لازاروس
وفولكمان ان كلا القسمين (الاسلوبين) من التعامل يستخدمان في معظم المواجهات
الضاغطة وان المساهمة النسبية لكل منهما تختلف تبعا للكيفية التي تقدر بها
المواجهة، كما يؤكد ذلك ماكري Mcrea 1999 بان الأسلوبين: التركيز على المشكلة والتركيز
على الانفعال غير متعارضين، وان الناس عادة ما تلجأ الى خليط منهما عند مواجهة
كثير من مواقف المشقة، ولكن هناك بعض المتغيرات التي تشير الى غلبة استخدام احدهما
على الآخر.
أ-استراتيجيات المواجهة التي ترتكز على المشكلة.. يشير لازاروس وفولكمان ان استراتيجيات المواجهة المركزة على
المشكلة (الموقف الضاغط) تكون موجهة نحو النشاط من أجل تغيير العلاقة ما بين الشخص
والموقف الذي يعيشه ، وهذا يتم عن طريق الانشطة التي تنجح او لا، وبمجرد ان يحاول
الشخص أن يفعل شيئا ما مهم.
كما
يرى لازاروس وفولكمان ان المواجهة من هذا النوع تكون مصحوبة بالمواجهة المركزة على
الانفعال في معظم المواقف الضاغطة، وخاصة اذا كان لدى الفرد بعض القدرة على ضبط
انفعالاته عند محاولة التعامل مع المواقف الضاغطة، وعلى الرغم من ان كل فرد يمر
بخبرات الضغوط، فان الناس تختلف في ردود افعالها او استجاباتها لمواجهة الضغوط،
والمواجهة هنا تتمثل في استراتيجيات البحث عن الحلول، فالشخص يضاعف مجهوداته ،
ويقوم بإنشاء خطة نشاط من أجل إيجاد الحلول ليخرج من المواجهة أقوى ويكشف ما هو
أهم في الحياة، وهذه الاستراتيجيات تكون اكثر استخداما في المواقف التي يعتقد فيها
الافراد ان شيئا مفيدا يمكن حدوثه بخصوص المشكلة.
وتشير
جملة الآراء التي خرج بها لازاروس والعاملون هنا في هذا القسم من الاستراتيجيات
والتي يتبناها الفرد تهدف بالدرجة الأساس الى ايجاد الحلول والبحث عن البدائل تبعا
للامكانات التي يعتقدها مهمة وملائمة لحل المشكلات والمواقف الضاغطة.
ومن
الاتجاهات التي وصفت هذه الاستراتيجيات انموذج تفاعل الفرد مع البيئة ، والذي
يقترح ان سلوكات الأفراد تتأثر بالبيئة التي تواجه سلوكهم، وينظر للمواجهة هنا على
انها عملية أكثر منها مفهوم مرحلي وهي متغيرة من وقت لآخر وفق المطلوب في كل موقف،
اي ما يتضمنه الموقف من أحداث ضاغطة ومشكلات.
ب-استراتيجيات المواجهة التي ترتكز على
الانفعال.. جاءت آراء لازاروس وفولكمان تعبر عن
هذا النوع من الاستراتيجيات التي ترتكز على الانفعال وتتعلق بالاستجابات
الانفعالية وهي بذلك تستهدف تنظيم الانفعالات لاسيما السلبية منها والتي تتشكل
بشكل غير مرغوب فيه نتيجة الأحداث الضاغطة التي تواجه الفرد في مواقف حياتية
مختلفة.
ويزيد
احتمال استخدام الافراد لاستراتيجيات التمركز على الانفعال عندما يكون الاعتقاد
بان موقف المشقة هو شيء مستمر ولا يمكن تغييره وانه يجب على الفرد ان يتحمله.
---------------------------------------------------------------------------------
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق