15 أبريل 2022

خبرة ما وراء الإنفعال

 

خبرة ما وراء الإنفعال لدى أسرة ذوي إضطراب طيف التوحد

أ.د. عباس علي شلال


---------------------------------------------------

تمهيد..

العمل الإرشادي لا تكتمل نجاعته ما لم تكتمل دورته، وما لم تبدأ رحلته الطويلة بخطوته الاولى ومرحلته الاساس التي تقف على عاتق الأسرة والتي تبدأ من البيت.. إذن فالبيت يمثل الإنطلاقة الأهم لمشوار العملية الإرشادية لأي شخص ولأي فئة عمرية ولأي شريحة إجتماعية.

فإذا كانت تلك البيئة الأسرية متسلحة بالمعرفة والثقافة وتمتلك الإستعداد اللازم للتعامل من تحديات الحياة وصعوباتها وما تواجهه من ضغوط وأزمات لأصبحت قادرة على أن تلعب دورا فاعلا في التخفيف من آثار تلك التحديات وتلك الصعوبات.

وان واحدة من أبرز تلك التحديات التي تواجه الأسرة خلال العقود الأخيرة هي وجود حالة او اضطراب طيف التوحد داخل أفرادها، لما تمتلك تلك الحالة من التفرد والتميز في الخصائص والسمات المعرفية واللغوية والإجتماعية فضلا عن الخصوصية الإنفعالية والتي قد تكون الأبرز من بين الخصائص والسمات التي تميز الشخص الموسوم بأنه من ذوي إضطراب طيف التوحد.

لذا يكون لزاما على تلك الأسرة أن تمتلك قدرة ونضج في خبرات متعددة ومتميزة عن كل الأسر الاخرى، ومن بين تلك الخبرات اللازمة وذات الأهمية البالغة هي خبرة ما وراء الإنفعال والتي تمد الأسرة بالإمكانات اللازمة لفهم قابليات أفرادها عموماً للتعامل مع ذلك التحدي؛ وفهم شخصية الإبن المصاب بإضطراب طيف التوحد والتعرف على طبيعة تلك الإنفعالات او السلوكات المرتبطة بها والتي تميزه عن أقرانه الآخرين.


الإشكالية..

أثبتت كثير من الدراسات الحديثة وجود إرتباطات ذات دلالة معنوية بين خبرة ما وراء الانفعال للعاملين مع الأشخاص ذوي الإعاقة بشكل عام والعاملين مع الأشخاص ذوي إضطراب طيف التوحد على نحو الخصوص كالمربين وأولياء الأمور والمعلمين والمدربين؛ وبين كثير من المتغيرات التربوية والنفسية والإجتماعية تقف في مقدمتها المشكلات السلوكية والإنفعالية كـ القلق والخوف غير المبرر ، وتشتت الانتباه وفرط الحركة، والسلوك الفوضوي والفج والسلوك العدواني وبعض العادات النمطية ..الخ.

ومنه ما اشارت اليه دراسة (كاتز ونلسون 2004) بأن أمهات الاشخاص الذين لديهم مشكلات في بعض وظائف الشخصية والتواصل كُنّ أقل وعياً بإنفعالاتهن ، وأقل قدرة للتعامل مع انفعالات أبنائهن ، ثم أقل تدريباً لأبنائهن على التعامل مع الانفعالات والسلووكات الصادرة عنها.

 وهذا ما أشارت اليه جملة من الإتجاهات النظرية وكذلك بعض العلماء بأن دور العاملين كأعضاء الأسرة والمعلمين والاختصاصيين ينبغي أن لا يتوقف عند أداء الأدوار التقليدية كالرعاية والاهتمام والتعليم الأكاديمي العادي، بل يجب أن تتعدى الادوار وتتعاظم الوظائف أكثر الى فهم الآخرين والتعرف الى اعتقاداتهم وميولهم وطبيعة شخصياتهم فضلا عن إنفعالاتهم ودوافعهم.

ونحن من واقع الخبرة والملاحظة والإحتكاك المباشر بأسر الأشخاص ذوي الإعاقة وذوي إضطراب طيف التوحد تلمسنا ضعفاً واضحاً بخبراتهم في مجال فهم الإنفعالات الذاتية وكذا فهم إنفعالات الآخرين، وبالتالي تراجع القدرة في ضبط تلك الإنفعالات والتنبؤ بما يترتب عليها من إستجابات وآثار تربوية ونفسية وإجتماعية.

لذا كانت الورقة البحثية الحالية تسعى الى التعرف على طبيعة خبرة ما وراء الانفعال لدى أسر الأشخاص ذوي إضطراب طيف التوحد في مدينة بغداد.

مبررات الورقة الحالية..

زاد اهتمام الباحثين في السنوات الاخيرة لدراسة خبرة ما وراء الانفعال وطرائق التعبير عنها وتنظيمها والعوامل المرتبطة بها وتلك المسببة لها والنواتج المترتبة عليها ، كونها تلعب دوراً كبيرا في الشخصية من خلال امكانية الفرد لمعرفته لذاته وادراكه لأفكاره وحالته الانفعالية والسيطرة عليها كما أشار سالوفي وماير (1995) لذلك بأن قدرة الفرد على التحكم بانفعالاته وتقويمها والتعبير عنها بدقة يسهل من عملية النمو المعرفي والوجداني السليم.

وان السيطرة على الانفعالات وضبطها ضرورة ومطلب للحياة السوية والصحة النفسية لأي شخص، فالانفعالات تمثل طاقة نفسية تؤثر في جميع انشطة الانسان في الحياة، وان تنظيم المشاعر الانسانية بتفاصيلها كلها من اهم الامور في الحياة ، ولعل بعض المشاعر والاحاسيس اهم من العمل نفسه الذي لا يحب ان ينفصل عنها بأي صورة من الصور، وان فهم القدرة الوجدانية وامكانية التعامل معها واستثمارها تمثل الطاقة والعامل الفاعل الأكبر في التأثير على نشاط الشخصية عموماً.

لذا تمثل أهمية الى الولوج في فهم الانفعالات والتعرف على خبرة ما وراء تلك الانفعالات حاجة ماسة ومبرراً وضرورة علمية وتطبيقية.

 

نافذة نظرية في المفاهيم..

الانفعال حاله نفسية لها صبغة وجدانية قوية تكون مصحوبة بتغيرات جسمية فسيولوجية للجهاز العصبي المستقل بالذات، وايضا بحركات تعبيرية عادة ما تكون قوية، وبتغيرات فى العمليات النفسية المختلفة، تشمل الكائن الحى كله تقريباً.

والإنفعال ايضا يعبر عن تغير في سلوك الشخص ينشأ نتيجة مصدر نفسي ويؤثر على الخبرات الشعورية ويرافقه عادة بعض التغيرات في الأجهزة الداخلية في الجسم، أما في بعض الحالات فقد يكون له بعض التغيرات الخارجية الظاهرة.

أما مفهوم ما وراء الانفعال (Meta Emotion)  فهو من المفاهيم الحديثة نسبيا في مجال علم النفس، وهو يناظر مفهوم ما وراء المعرفة الذي قدمه فلافل (Flavel) في سبعينات القرن الماضي، ويمثل فهم الفرد لإنفعالاته وانفعالات الآخرين وسلوکه بما يتفق مع هذا الفهم من العوامل ذات الأهمية في التواصل الجيد مع الآخرين، وکذلك إستراتيجيات التربية الحديثة.

وتوصف خبرة ماوراء الانفعال بانها مستوى ما ورائي (Meta-Level) والتجربة الانفعالية المستمرة لما وراء الانفعال، اي خبرة الفرد الدائمة عما يشعر به من انفعالات عن نفسه وعن الاخرين، وهذه الخبرة كلها تختلف وتتميز عن الخبرة الاساسية للانفعالات ويظهر الاختلاف في مقدار الوعي الفردي والمعرفي بانفعالاته الداخلية وكذلك بانفعالات الاخرين.

وتمثل ايضا مجموعة منظمة من المشاعر والإستعارات الوجدانية الذكية التي يستعملها الفرد والتي تجعله على دراية بعملياته الانفعالية والشخصية التي يقوم بها أثنا تعرضه للمواقف الضاغطة.


اضطراب طيف التوحد عبارة عن حالة ترتبط بنمو الدماغ وتؤثر على كيفية تمييز الشخص للآخرين والتعامل معهم على المستوى الاجتماعي، مما يتسبب في حدوث مشكلات في التفاعل والتواصل الاجتماعي. كما يتضمن الاضطراب أنماطا محدودة ومتكررة من السلوك.

واضطرابات طيف التوحد هي الحالات التي يواجه فيها الأشخاص صعوبة في تطوير العلاقات الاجتماعية العادية، أو استخدام اللغة بشكل طبيعي، أو يعجزون عن استخدامها بشكل مطلق، ويُظهرون سلوكات مقيَّدة أو تكرارية.

ü   ويواجه المصابون صعوبة في التواصل مع الآخرين والارتباط بهم.

ü   تكون لدى المصابين باضطراب طيف التوحد أيضًا أنماطا سلوكية و/أو اهتمامات و/أو أنشطة محدودة، وغالبًا ما يتبعون روتينًا صارمًا في حياتهم.

ü   يستجيب معظم المصابين بشكل جيد إلى المداخلات العلاجية القائمة على المداخلات السلوكية المُنظمة بشكلٍ عالٍ.

 

الأهداف.. يروم الباحث التعرف على:

1-  مستوى خبرة ما وراء الانفعال لدى أسرة الأشخاص ذوي لإضطراب طيف التوحد في مدينة بغداد.

2-  مستوى خبرة ما وراء الانفعال لدى أسرة الأشخاص ذوي إضطراب طيف التوحد تبعاً لبعض المتغيرات الديمغرافية:

أ‌-     متغير العلاقة بالشخص ذي إضطراب طيف التوحدد (أب-أم-أخ-أخت).

ب‌-متغير المؤهل العلمي (لا يقرأ ولا يكتب-يقرأ ويكتب-إبتدائية-ثانوية-بكالوريوس-شهادة عليا-دورات تأهيلية خاصة).

ت‌-متغير الموقع الجغرافي للسكن (مراكز المدن-اطراف المدن-القرى والأرياف)

ث‌- مستوى إصابة إضطراب طيف التوحد (بسيطة-متوسطة-شديدة)

ج‌-  عمر الشخص من ذوي إضطراب طيف التوحد (13-14 سنة)، (15-16 سنة)، (17-18سنة)


نتائج واستنتاجات

قام الباحث بإعداد أداة لقياس مفهوم خبرة ما وراء الانفعال مستندا في ذلك الى أنموذج ماير وسالوفي 1997 الذي قدم توصيفا نظريا متكاملا للمفهوم.. وبعد التحقق من صلاحية المقياس بإتباع الشروط العلمية فضلا عن التحقق من الخصائص السيكومترية كالصدق والثبات والقوة التمييزية ، قام الباحث بتطبيق الأداة على عينة مكونة من (60) متطوعا من أسر الأشخاص ذوي إضطراب طيف التوحد.

1-  أظهرت النتائج ان عينة البحث من أسر الاشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد بشكل عام لديهم مستوى منخفض من خبرة ما وراء الانفعال ، وهذا انعكس سلبا في مواجهتهم للضغوط النفسية والتحديات التي تترتب على تعاملهم مع أبنائهم ، وكذلك على عدم قدرتهم بتقديم مستوى متطور من التعمل والتواصل مع حاجات أبنائهم الانفعالية.

2-  أظهرت النتائج أن أمهات الأشخاص ذوي إضطراب طيف التوحد لديهن مستوى أكبر من أفراد الأسرة الآخرين في خبرات ما وراء الانفعال، وإتضح انهن أكثر قدرة لفهم انفعالاتهن وانفعالات أبنائهن ، ولديهن الرغبة للسيطرة عليها وتوفير متطلباتها.

3-  أظهررت النتائج ان أولياء الأمور الذين لديهم تواصل مع المنظمات والمراكز التأهيلية ولديهم دورات تعليمية في مجال التعامل مع الأشخاص ذوي الاعاقة وذوي اضطراب طيف التوحد؛ كانوا أكثر درجة في خبرة ما وراء الانفعال وضبط آليات التواصل والتعامل مع انفعالاتهم وانفعالات أبنائهم.

وتأتي بالدرجة الثانية خبرة أولياء الأمور ممن لديهم شهادات علمية وسطى ومنهم حملة شهادة الثانوية وبالدرجة الثالثة حملة شهادة البكالوريوس.

4-  أظهرت النتائج ان أسر الاشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد ممن يسكنون مراكز المدن لديهم مستوى أكبر في خبرة ما وراء الانفعال.

5-  أظهرت النتائج ان الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد متوسطي الدرجة لديهم مستوى أكبر في خبرة ما وراء الانفعال ، وجاءت بالمستوى الثاني أسر الأشخاص من ذوي الدرجات الشديدة في الاضطراب.

6-  حصلت أسر ذوي اضطراب طيف التوحد ممن كانت أعمار أبنائهم المصابين ضمن فئة (17-18 سنة) على مستوى أعلى في خبرة ما وراء الانفعال.

توصيات..

1-  ينبغي للقائمين على وزارتي التربية والتعليم العالي نشر ثقافة خبرة ما وراء الانفعال من خلال تأليف الكراسات التعريفية واقامة الندوات التثقيفية والدورات التدريبية للأسر والاشخاص بشكل عام ، وللعاملين مع الاشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد بشكل خاص لا سيما أسرهم.

2-  ينبغي على الوزارات والمؤسسات المعنية بالاشخاص ذوي الاعاقة إقامة الدورات التدريبية والتطورية في مجال أضطراب طيف التوحد والآليات والطرائق الناجعة للتعامل معها وفقا لمستوى الإصابة وللمستوى العمري.

3-  ينبغي على العلماء والأكاديميين والباحثين من ذوي الإختصاص تكثيف جهودهم أكثر في تأليف الكتب وفي اعداد البحوث ذات العلاقة بخبرات ما وراء الانفعال وخصوصا في مجال اضطراب طيف التوحد على أن تكون بلغة يسيرة وواضحة تلاءم مستوى الأسرة الثقافي العام.

4-  ينبغي على أسر الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد الإسراع الى الإلتحاق بالدورات التي تقيمها المؤسسات والمراكز المعنية بإضطراب طيف التوحد لا سيما ما ارتبط منها بخبرات ماوراء الانفعال.

5-  ينبغي تأسيس ونشر المراكز والمؤسسات العاملة في مجال اضطراب طيف التوحد في أطراف المدن والقرى والأرياف بشكل عادل ومنصف الى جانب تلك المتوافرة في مراكز المدن.

 

--------------------------   انتهى

 العُصاب  Neurosis


العُصاب     ---------                           أ.د. عباس علي شلال

هو أحد أبرز اختلالات واضطرابات الشخصية الوظيفية والذي يجعل الانسان اقل سعادة، وليس ثمة رابط بينه وبين الأعصاب، فهو لا يتضمن اي نوع من الاضطراب التشريحي أو الفيسيولوجي في الجهاز العصبي.

بل هو اضطراب وظيفي دينامي انفعالي نفسي المنشأ يظهر في الأعراض العصابية، وهناك فرق بين العصاب والمرض العصبي، حيث المرض العصبي اضطراب جسمي ينشأ عن تلف عضوي يصيب الجهاز العصبي مثل الشلل النصفي والصرع.

وكان أول من استخدم مفهوم العصاب الطبيب الاسكوتلندي كولينCullen  عام 1776 للإشارة إلى كل الأمراض غير الالتهابية للجهاز العصبي والنفسي.

ومنذ ذلك الحين تضيق مفهوم العصاب بصورة مضطردة، ففي البدء تم فصل مفهوم العصاب عن الأمراض العصبية العضوية، وبهذا تم فصله أيضا عن الذهانات العضوية، وفي مرحلة لاحقة، ونتيجة التحسن المتزايد للوسائل والاساليب التشخيصية تم فصل اضطرابات النمو النفسي في الأمراض الجسدية (مثل مشكلات الدماغ والأمراض الغدية) عن العصاب وهذه المرحلة تمتد حتى الوقت الراهن.

والخطوة التالية، والتي اختلف عليها لفترة طويلة، غير أنها كانت من الناحية العيادية ضرورية وهي فصل العصاب عن الذهانات داخلية المنشأ: فالذهانات يمكن فهمها في أعراضها وظهورها بشكل محدود جدا وتتطور ضمن قوانين خاصة فيها ويسهم المحيط في تكونها مساهمة جزئية، وتترافق مع تعقيدات دائمة للشخصية، في حين أن العصاب قابلة للتحديد من الناحية النفسية ويمكن فهمها في إعراضها وتطورها.

عدا عن ذلك فقد تم فصل الاستجابات الصراعية (ردود الفعل الناتجة عن الصراعات والتطورات النفسية ذات المنشأ المرضي) عن الاضطرابات العصابية وقد أكد علم النفس المرضي في فهم الأسباب والطرائق المختلفة في المعالجة على صحة هذا الفصل.

في العقود الأخيرة حصل التوسع لمفهوم العصابات حيث استخدم غالبا لكل الاضطرابات وأنماط الاستجابات غير الذهانية.

والعصابية هي الصفة المجردة التي تميز الاعصبة وهي الاستعداد للاصابة بالعصاب، فالعصابية، والاتزان الانفعالي مصطلحان يشيران الى النقط المتطرفة للمتصل او البعد الذي يتدرج من السواء وحسن التوافق والثبات الانفعالي الى سوء التوافق وعدم الثبات الانفعالي في الطرف المقابل.

واذا انعصب الامر واشتد على الشخص ذي الدرجة المرتفعة على القطب الاخير اصبح عصابياً أي مضطرباً نفسياً ويترتب على ذلك ان لكل فرد درجة ومركزاً على هذا المحور او االبعد.

واذا تحدثنا عن العصابية فأنما نتحدث بالدرجة ذاتها عن السواء عن طريق مقلوب، وكما يرى بعض المتخصصين انه سوء التوافق.

يدرك الشخص المصاب أنه يعاني من وعكة نفسية ويحاول علاجها ومواجهتها، إضافة لذلك فانه لا يفقد القدرة على الاتصال بالواقع وهذا يكون خلافا لطبيعة الذهان.

قد يعاني مريض العصاب من مشكلات في التكيف مع البيئة، إضافة إلى عدم قدرته على تغيير نمط بعض التصرفات القهرية، وتراجع الإمكانات في تطوير شخصية متزنة وقوية ومتكيفة.

وكذلك يعاني من شعور كبير بالضغط النفسي والخوف وبالتالي الاكتئاب.

ويعتقد كثير من المتخصصين ان غالبية البشر واجهوا العصاب بدرجات طفيفة خلال حياتهم، إلا أنها عند بعض الأشخاص تتطور وتشتد لتصبح مشكلة تعيق الأنسان وتجعله غير قادر على تنفيذ مهمات حياته ومتطلباته التقليدية فضلا عن وظائفه الشخصية الأساسية.

ويمكن القول ان من آثار العصاب الحتمية سوف تبرز حالات القلق، والحزن الشديد، والاكتئاب، والغضب المبالغ فيه، والتشوش المعرفي، فضلا عن انخفاض التقييم الذاتي.

وكذلك بعض الأعراض السلوكية مثل تجنب رهابي، ويقظة، وخمول وغيرها.

وكذلك تبرز مشكلات معرفية مثل الأفكارال مزعجة، وتكرار الأفكار والهوس، وتخيلات معتادة.

ويمكن أن يؤدي العصاب إلى التبعية، العدوانية، الكمالية، العزلة الاجتماعية والسلوك غير المناسب بين الأفراد.

 ---------------------------

01 أبريل 2022

 توهم المرض 

توهم المرض                               أ.د. عباس علي شلال

يعد توهم المرض اضطراب نفسي يجعل الفرد يتوهم بإن مرضه عضوي وقد يكون خطيرا ، مع ان المشكلة في حقيقتها نفسية المنشأ وهي تجعل المتوهم يشعر بالضعف، والتردد، والقلق، وضعف الثقة بالنفس وقد يرجع الى الحاجة الشديدة لجذب الانظار ولفت انتباه الآخرين.

وان متوهمي المرض يشتكون بصورة متكررة من تضايقهم من اعضاء عدة من اجهزة الجسم وانهم في اغلب الاحيان يولون اهتماما اكبر بعلم اسباب المرض لاهتمامهم بإحساساتهم الجسمية والعقلية ، اذ تصبح الاعراض دائما مستمرة كردود فعل لضغوط الحياة.

وقد يكون توهم المرض ناتجا عن الضغوط التي يتعرض لها الاشخاص من خلال مواقف الحياة اليومية المختلفة لاسيما ما كان منها مرتبط بالعمل وطبيعة المهنة وظروفها وما تطلبه من إجهاد نفسي وما ترافقها من حالات الضغط والاحتراق النفسيين والاجهاد العصبي الواضح.

توهم المرض ناتج عن عوامل نفسية ضاغطة، ويستنتج المضطرب من سياق عملية تفسير ذاتي لعلاقات واحساسات فيزيولوجية بسيطة تحدث معه امكان تعرضه لمرض خطير فيبدي اهتماماً مبالغاً في صحته وتسيطر عليه مخاوف مرضية واعتقادات وهمية تدعم فكرة وجود المرض وتتمحور حول مظاهره واعراضه المتخيلة.

 


نافذة تعريفية للمفهوم

توهم المرض.. يمكن القول انه يمثل اضطراب في الاحساسات الجسمية، ويكون مصحوبا بقلق ويشكو الخص من تنملات وثقل في المعدة والالام وحروق تتضخم احساساته الى ان تصل الى اقتناعه بمرض عضوي خطير.

وأشارت اليه الجمعية الامريكية للطب النفسي في مراجعتها الرابعة (DSM4)(1994( بانه انشغال الفرد ومخاوفه من ان يكون مصابا بمرض حقيقي او الاعتقاد بذلك مرتكزا على سوء تفسير علامة او عرض او علامات واعراض جسدية.

ويمكن لنا وصفه بأنه سلوك عصبي قسري ناتج عن تفسيرات لا عقلانية كإحساسات بآلام جسمية غير حقيقية مصحوبة بانشغال مبالغ فيه في الصحة الجسدية تقود الافراد الذين يتسمون به الى افتراض عام وقناعة بانهم مصابون بمرض عضوي خطير .

خلفية سيكولوجية لتفسير المفهوم

توهم المرض (المُراق).. يطلق مصطلح (متوهمي المرض) على الاشخاص الذين تكثر شكواهم وخوفهم من ان يكونوا مرضى، ويصنف توهم المرض ضمن طائفة الاضطرابات ذات الشكل الجسدي التي تنتمي اليها طائفة اخرى من الاضطرابات كاضطرابات التجسيد واضطرابات الألم ذات الشكل الجسدي وتشترك هذه الاضطرابات مع بعضها بشكوى المرض المتكرر من اوجاع جسدية، حيث يقوم المرضى بمراجعة الاطباء باستمرار، والذين يؤكدون لهم انهم لا يعانون من أي مرض يبرر سبب معاناتهم من هذه الشكاوى وعندما يشك الطبيب بإمكانية وجود السبب النفسي، يرفض المعنيون ذلك.

كما لا توجد احصاءات دقيقة حول انتشار توهم المرض لدى الناس بشكل عام، غير ان الدراسات تشير الى ان حوالي 50% من المرضى الذين يراجعون الاطباء يعانون من اعراض متفرقة من توهم المرض، ومن ضمن هؤلاء يوجد قرابة (15-30%) هم الذين يتم تشخيص الصورة الكاملة من توهم المرض لديهم.

كما ان الاشخاص الذين يضطربون بتوهم المرض يظهرون حتى قبل حدوث الاضطراب ارتفاع في مستوى التنشيط الفيزيولوجي النفسي، أي انهم يستجيبون للميزات بسرعة وارتفاع في نبض القلب، وضمن هذه الظروف يقود الادراك للارشادات الجسدية كالخفقان المرتفع للقلب او مشاعر الدوار او مشكلات الهضم او الصداع، والتي تعد اضطرابات عابرة عادية جدا يعاني منها كثير من الناس او ترجع بالأصل للإرهاق الذي يمر به الشخص المعني.

وقد ظهر ان المرضى المراقيون (المرضى بتوهم المرض) يمتلكون عتبة منخفضة للميزات الجسدية، أي ان اقل تبدل في الجسد مهما كان يتم ادراكه بسرعة اكبر من الاشخاص الاخرين.


ترى النظرية التحليلية ان تداخل العوامل النفسية هي المسؤولة عن توهم المرض جامعة بذلك النظريات الفرويدية الاولى عن اضطراب علاقات الموضوع والاهتمام الشديد بالذات عبر مفهوم توهم المرض الذي يعد ميكانزيماً دفاعياً للانا ضد الشعور بالذنب، فبعض المؤيدين لذلك يشيرون الى ان المتوهم يوجه رغبات عدوانية تجاه الاخرين تتحول الى شكاوى بدنية من خلال الكبت والازاحة.

ويرى فرويد ويفسر المراق بانه خوف لا شعوري من وقوع اذى جسمي نتيجة قيام رغبة او دافع غير مقبول ومكبوت، ويعتقد انه عندما ينسحب الليبدو الجنسي من المواضيع الخارجية فانه يعيد استمراريته من الذات كلبيدو نرجس (Narcissistic libido) ويفترض ان الدوافع العدوانية الجنسية تتحول الى شراكة بدنية، وقد ينظر الى الاعراض المراقية على انها رغبات للتعاطف والرعاية، كما يرى ان الافراد يكونون اكثر تحملاً للشعور بان هناك شيئا غير صحيح في اجسامهم على ان يشعروا ان ثمة شيء غير صحيح من ذواتهم.

اذ يعد فرويد توهم المرض دفاعا للانا وانه من المحتمل ان يكون الالم تعبيرا عن عقاب الذات بسبب ماض خاطئ ترتبط هذه الافكار بفكرة الفائدة الاولية والثانوية (Primary and secondary gain) وتتمثل الفائدة الاولية بالتقليل من الصراع النفسي الداخلي، في حين تعود الفائدة الثانوية الى النوافذ التي يحصل عليها الفرد عندما يصبح مريضا للحصول والإفادة من (الاهتمام، والدعم، والتعاطف).


وتسلم نظرية تضخيم الاحساسات بأن توهم المرض ينسجم مع تضخيم الاحساسات الجسمية الطبيعية وتعد هذه النظرية الاكثر تدعيماً مقارنة بالنظريات التي ستطرح، اذ ترى ان المضطربين بتوهم المرض يضخمون احساساتهم الجسمية الطبيعية وينسبونها بصورة سيئة الى المعنى المرضي.

ففي عام 1993 تم اقتراح مصطلح اسلوب التضخيم الجسمي ليكون اقرب دلالة من مصطلح توهم المرض، لان الاشخاص الذين يكون لديهم اسلوب من المبالغة الجسدية (السوماتية) يراقبون جيدا احساساتهم الجسدية، وقد يميلون الى سوء تفسير هذه الاعراض على انها مرض.

وتقترح النظرية الادراكية المعرفية "توهم المرض كادراك معرفي لا سوي" وان متوهمي المرض يشعرون بالخوف من المرض من خلال ثلاثة مسالك ادراكية هي: الاول كونهم يضمنون احساساتهم الجسمية الطبيعية، هذه النظرية مدعمة من خلال الاحساس بالمرض وهذا ما ثبت تجريبيا (فمثلا وجدا ان الانتباه والقلق يكونان مرتفعين فيما يتعلق بالإحساس الجسمي الطبيعي لدى اشخاص اصحاء) اذ انه عندما يكون الاشخاص قلقين فانهم يضخمون احساساتهم.

ويتمثل الثاني من كون المضطرين بتوهم المرض يقومون خطأ احساساتهم الجسمية على انها اصبحت غير طبيعية، فعندما يفسر المصابون بتوهم المرض اضطراب المعدة على انه سرطان فان الاشخاص الاصحاء قد يعزون احساساتهم الى الضغط، او ما قد تناولوه في الغداء، وتعود الشكاوى الكثيرة التي يقدمها متوهمو المرض الى الالم والاعراض الغامضة من جزء لا يرى مباشرة من الجسد.


والثالث يفترض ان المصاب بتوهم المرض يعاني من اضطراب التعبير الوجداني (alexithymia) ولهذا يحاولون التعبير عن وجداناتهم عبر اجسامهم.

أما نظرية التغيرات فانها تعد توهم المرض تحولا لبعض الاضطرابات الاخرى مثل الاضطرابات الاكتئابية، واضطرابات القلق وبعض اضطرابات الشخصية مثل اضطرابات الشخصية الوسواسية القهرية، فعلى الرغم من ان بعض العلماء يشير الى ان توهم المرض متغير لظروف اكتئابية الا ان الابحاث الحالية لم تدعم هذه النظرية.

ويرى عالم النفس الروسي بافلوف ان ارتباط ذهن المريض بعضو معين في الجسم دليل على قيام ارتباط شرطي لا تتكرر في وقت ما من اوقات النمو.

وحين يرجع هذا الاضطراب الى الخطأ في التربية والى ظروف تساعد على قيام ارتباط معين بالذات فالطفل الذي ينهى عن طعام معين ويتكرر نهيه، او يؤنب في اوقات الطعام، يتكون في دماغه ارتباط (مادي) يؤدي الى اضطراب وظيفتين في الجهاز الهضمي ويصبح هذا الارتباط الوظيفي مع مرور الزمن عادة يصعب فك ارتباطها في الدماغ، وهذا يؤدي الى حالة الوسواس مع مرور الزمن.

 ----------------------------

خبرة ما وراء الإنفعال

  خبرة ما وراء الإنفعال لدى أسرة ذوي إضطراب طيف التوحد أ.د. عباس علي شلال --------------------------------------------------- تمهيد .....