خبرة ما
وراء الإنفعال لدى أسرة ذوي إضطراب طيف التوحد
أ.د. عباس علي
شلال
---------------------------------------------------
تمهيد..
العمل الإرشادي لا تكتمل نجاعته ما لم تكتمل دورته، وما لم تبدأ رحلته
الطويلة بخطوته الاولى ومرحلته الاساس التي تقف على عاتق الأسرة والتي تبدأ من
البيت.. إذن فالبيت يمثل الإنطلاقة الأهم لمشوار العملية الإرشادية لأي شخص ولأي
فئة عمرية ولأي شريحة إجتماعية.
فإذا كانت تلك البيئة الأسرية متسلحة بالمعرفة والثقافة وتمتلك الإستعداد
اللازم للتعامل من تحديات الحياة وصعوباتها وما تواجهه من ضغوط وأزمات لأصبحت
قادرة على أن تلعب دورا فاعلا في التخفيف من آثار تلك التحديات وتلك الصعوبات.
وان واحدة من أبرز تلك التحديات التي تواجه الأسرة خلال العقود الأخيرة هي
وجود حالة او اضطراب طيف التوحد داخل أفرادها، لما تمتلك تلك الحالة من التفرد
والتميز في الخصائص والسمات المعرفية واللغوية والإجتماعية فضلا عن الخصوصية
الإنفعالية والتي قد تكون الأبرز من بين الخصائص والسمات التي تميز الشخص الموسوم
بأنه من ذوي إضطراب طيف التوحد.
لذا يكون لزاما على تلك الأسرة أن تمتلك قدرة ونضج في خبرات متعددة ومتميزة
عن كل الأسر الاخرى، ومن بين تلك الخبرات اللازمة وذات الأهمية البالغة هي خبرة ما
وراء الإنفعال والتي تمد الأسرة بالإمكانات اللازمة لفهم قابليات أفرادها عموماً
للتعامل مع ذلك التحدي؛ وفهم شخصية الإبن المصاب بإضطراب طيف التوحد والتعرف على
طبيعة تلك الإنفعالات او السلوكات المرتبطة بها والتي تميزه عن أقرانه الآخرين.
الإشكالية..
أثبتت كثير من الدراسات الحديثة وجود
إرتباطات ذات دلالة معنوية بين خبرة ما وراء الانفعال للعاملين مع الأشخاص ذوي
الإعاقة بشكل عام والعاملين مع الأشخاص ذوي إضطراب طيف التوحد على نحو الخصوص
كالمربين وأولياء الأمور والمعلمين والمدربين؛ وبين كثير من المتغيرات التربوية
والنفسية والإجتماعية تقف في مقدمتها المشكلات السلوكية والإنفعالية كـ القلق
والخوف غير المبرر ، وتشتت الانتباه وفرط الحركة، والسلوك الفوضوي والفج والسلوك العدواني
وبعض العادات النمطية ..الخ.
ومنه ما اشارت اليه دراسة (كاتز ونلسون
2004) بأن أمهات الاشخاص الذين لديهم مشكلات في بعض وظائف الشخصية والتواصل كُنّ
أقل وعياً بإنفعالاتهن ، وأقل قدرة للتعامل مع انفعالات أبنائهن ، ثم أقل تدريباً
لأبنائهن على التعامل مع الانفعالات والسلووكات الصادرة عنها.
وهذا
ما أشارت اليه جملة من الإتجاهات النظرية وكذلك بعض العلماء بأن دور العاملين
كأعضاء الأسرة والمعلمين والاختصاصيين ينبغي أن لا يتوقف عند أداء الأدوار
التقليدية كالرعاية والاهتمام والتعليم الأكاديمي العادي، بل يجب أن تتعدى الادوار
وتتعاظم الوظائف أكثر الى فهم الآخرين والتعرف الى اعتقاداتهم وميولهم وطبيعة
شخصياتهم فضلا عن إنفعالاتهم ودوافعهم.
ونحن من واقع الخبرة والملاحظة والإحتكاك
المباشر بأسر الأشخاص ذوي الإعاقة وذوي إضطراب طيف التوحد تلمسنا ضعفاً واضحاً
بخبراتهم في مجال فهم الإنفعالات الذاتية وكذا فهم إنفعالات الآخرين، وبالتالي
تراجع القدرة في ضبط تلك الإنفعالات والتنبؤ بما يترتب عليها من إستجابات وآثار
تربوية ونفسية وإجتماعية.
لذا كانت الورقة البحثية الحالية تسعى الى التعرف على طبيعة خبرة ما وراء الانفعال لدى أسر الأشخاص ذوي إضطراب طيف التوحد في مدينة بغداد.
مبررات الورقة الحالية..
زاد اهتمام الباحثين في السنوات الاخيرة
لدراسة خبرة ما وراء الانفعال وطرائق التعبير عنها وتنظيمها والعوامل المرتبطة بها
وتلك المسببة لها والنواتج المترتبة عليها ، كونها تلعب دوراً كبيرا في الشخصية من
خلال امكانية الفرد لمعرفته لذاته وادراكه لأفكاره وحالته الانفعالية والسيطرة
عليها كما أشار سالوفي وماير (1995) لذلك بأن قدرة الفرد على التحكم بانفعالاته
وتقويمها والتعبير عنها بدقة يسهل من عملية النمو المعرفي والوجداني السليم.
وان السيطرة على الانفعالات وضبطها ضرورة
ومطلب للحياة السوية والصحة النفسية لأي شخص، فالانفعالات تمثل طاقة نفسية تؤثر في
جميع انشطة الانسان في الحياة، وان تنظيم المشاعر الانسانية بتفاصيلها كلها من اهم
الامور في الحياة ، ولعل بعض المشاعر والاحاسيس اهم من العمل نفسه الذي لا يحب ان
ينفصل عنها بأي صورة من الصور، وان فهم القدرة الوجدانية وامكانية التعامل معها
واستثمارها تمثل الطاقة والعامل الفاعل الأكبر في التأثير على نشاط الشخصية عموماً.
لذا تمثل أهمية الى الولوج في فهم
الانفعالات والتعرف على خبرة ما وراء تلك الانفعالات حاجة ماسة ومبرراً وضرورة
علمية وتطبيقية.
نافذة نظرية في المفاهيم..
الانفعال حاله نفسية لها
صبغة وجدانية قوية تكون مصحوبة بتغيرات جسمية فسيولوجية للجهاز العصبي المستقل
بالذات، وايضا بحركات تعبيرية عادة ما تكون قوية، وبتغيرات فى العمليات النفسية
المختلفة، تشمل الكائن الحى كله تقريباً.
والإنفعال ايضا يعبر عن تغير في سلوك
الشخص ينشأ نتيجة مصدر نفسي ويؤثر على الخبرات الشعورية ويرافقه عادة
بعض التغيرات في الأجهزة الداخلية في الجسم، أما في بعض الحالات فقد يكون له بعض
التغيرات الخارجية الظاهرة.
أما مفهوم ما وراء الانفعال (Meta Emotion)
فهو من المفاهيم الحديثة نسبيا
في مجال علم النفس، وهو يناظر مفهوم ما وراء المعرفة الذي قدمه فلافل
(Flavel) في
سبعينات القرن الماضي، ويمثل فهم الفرد لإنفعالاته وانفعالات الآخرين وسلوکه بما
يتفق مع هذا الفهم من العوامل ذات الأهمية في التواصل الجيد مع الآخرين، وکذلك إستراتيجيات
التربية الحديثة.
وتوصف خبرة ماوراء الانفعال بانها مستوى
ما ورائي (Meta-Level)
والتجربة الانفعالية المستمرة لما وراء الانفعال، اي خبرة الفرد الدائمة عما يشعر
به من انفعالات عن نفسه وعن الاخرين، وهذه الخبرة كلها تختلف وتتميز عن الخبرة
الاساسية للانفعالات ويظهر الاختلاف في مقدار الوعي الفردي والمعرفي بانفعالاته
الداخلية وكذلك بانفعالات الاخرين.
وتمثل ايضا مجموعة منظمة من المشاعر والإستعارات الوجدانية الذكية التي يستعملها الفرد والتي تجعله على دراية بعملياته الانفعالية والشخصية التي يقوم بها أثنا تعرضه للمواقف الضاغطة.
اضطراب طيف التوحد عبارة
عن حالة ترتبط بنمو الدماغ وتؤثر على كيفية تمييز الشخص للآخرين والتعامل معهم على
المستوى الاجتماعي، مما يتسبب في حدوث مشكلات في التفاعل والتواصل الاجتماعي. كما
يتضمن الاضطراب أنماطا محدودة ومتكررة من السلوك.
واضطرابات
طيف التوحد هي الحالات التي يواجه فيها الأشخاص صعوبة في تطوير العلاقات
الاجتماعية العادية، أو استخدام اللغة بشكل طبيعي، أو يعجزون عن استخدامها بشكل
مطلق، ويُظهرون سلوكات مقيَّدة أو تكرارية.
ü
ويواجه المصابون صعوبة في
التواصل مع الآخرين والارتباط بهم.
ü
تكون لدى المصابين باضطراب
طيف التوحد أيضًا أنماطا سلوكية و/أو اهتمامات و/أو أنشطة محدودة، وغالبًا ما
يتبعون روتينًا صارمًا في حياتهم.
ü
يستجيب معظم المصابين بشكل
جيد إلى المداخلات العلاجية القائمة على المداخلات السلوكية المُنظمة بشكلٍ عالٍ.
الأهداف.. يروم الباحث التعرف
على:
1- مستوى
خبرة ما وراء الانفعال لدى أسرة الأشخاص ذوي لإضطراب طيف التوحد في مدينة بغداد.
2- مستوى
خبرة ما وراء الانفعال لدى أسرة الأشخاص ذوي إضطراب طيف التوحد تبعاً لبعض
المتغيرات الديمغرافية:
أ-
متغير العلاقة بالشخص
ذي إضطراب طيف التوحدد (أب-أم-أخ-أخت).
ب-متغير
المؤهل العلمي (لا يقرأ ولا يكتب-يقرأ ويكتب-إبتدائية-ثانوية-بكالوريوس-شهادة عليا-دورات
تأهيلية خاصة).
ت-متغير
الموقع الجغرافي للسكن (مراكز المدن-اطراف المدن-القرى والأرياف)
ث-
مستوى إصابة إضطراب طيف التوحد (بسيطة-متوسطة-شديدة)
ج-
عمر الشخص من ذوي
إضطراب طيف التوحد (13-14 سنة)، (15-16 سنة)، (17-18سنة)
نتائج واستنتاجات
قام الباحث بإعداد أداة لقياس مفهوم خبرة
ما وراء الانفعال مستندا في ذلك الى أنموذج ماير وسالوفي 1997 الذي قدم توصيفا
نظريا متكاملا للمفهوم.. وبعد التحقق من صلاحية المقياس بإتباع الشروط العلمية
فضلا عن التحقق من الخصائص السيكومترية كالصدق والثبات والقوة التمييزية ، قام
الباحث بتطبيق الأداة على عينة مكونة من (60) متطوعا من أسر الأشخاص ذوي إضطراب
طيف التوحد.
1- أظهرت
النتائج ان عينة البحث من أسر الاشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد بشكل عام لديهم مستوى
منخفض من خبرة ما وراء الانفعال ، وهذا انعكس سلبا في مواجهتهم للضغوط النفسية
والتحديات التي تترتب على تعاملهم مع أبنائهم ، وكذلك على عدم قدرتهم بتقديم مستوى
متطور من التعمل والتواصل مع حاجات أبنائهم الانفعالية.
2- أظهرت
النتائج أن أمهات الأشخاص ذوي إضطراب طيف التوحد لديهن مستوى أكبر من أفراد الأسرة
الآخرين في خبرات ما وراء الانفعال، وإتضح انهن أكثر قدرة لفهم انفعالاتهن
وانفعالات أبنائهن ، ولديهن الرغبة للسيطرة عليها وتوفير متطلباتها.
3- أظهررت
النتائج ان أولياء الأمور الذين لديهم تواصل مع المنظمات والمراكز التأهيلية
ولديهم دورات تعليمية في مجال التعامل مع الأشخاص ذوي الاعاقة وذوي اضطراب طيف
التوحد؛ كانوا أكثر درجة في خبرة ما وراء الانفعال وضبط آليات التواصل والتعامل مع
انفعالاتهم وانفعالات أبنائهم.
وتأتي
بالدرجة الثانية خبرة أولياء الأمور ممن لديهم شهادات علمية وسطى ومنهم حملة شهادة
الثانوية وبالدرجة الثالثة حملة شهادة البكالوريوس.
4- أظهرت
النتائج ان أسر الاشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد ممن يسكنون مراكز المدن لديهم مستوى
أكبر في خبرة ما وراء الانفعال.
5- أظهرت
النتائج ان الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد متوسطي الدرجة لديهم مستوى أكبر في خبرة
ما وراء الانفعال ، وجاءت بالمستوى الثاني أسر الأشخاص من ذوي الدرجات الشديدة في
الاضطراب.
6- حصلت أسر ذوي اضطراب طيف التوحد ممن كانت أعمار أبنائهم المصابين ضمن فئة (17-18 سنة) على مستوى أعلى في خبرة ما وراء الانفعال.
توصيات..
1- ينبغي
للقائمين على وزارتي التربية والتعليم العالي نشر ثقافة خبرة ما وراء الانفعال من
خلال تأليف الكراسات التعريفية واقامة الندوات التثقيفية والدورات التدريبية للأسر
والاشخاص بشكل عام ، وللعاملين مع الاشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد بشكل خاص لا سيما
أسرهم.
2- ينبغي
على الوزارات والمؤسسات المعنية بالاشخاص ذوي الاعاقة إقامة الدورات التدريبية
والتطورية في مجال أضطراب طيف التوحد والآليات والطرائق الناجعة للتعامل معها وفقا
لمستوى الإصابة وللمستوى العمري.
3- ينبغي
على العلماء والأكاديميين والباحثين من ذوي الإختصاص تكثيف جهودهم أكثر في تأليف
الكتب وفي اعداد البحوث ذات العلاقة بخبرات ما وراء الانفعال وخصوصا في مجال
اضطراب طيف التوحد على أن تكون بلغة يسيرة وواضحة تلاءم مستوى الأسرة الثقافي العام.
4- ينبغي
على أسر الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد الإسراع الى الإلتحاق بالدورات التي تقيمها
المؤسسات والمراكز المعنية بإضطراب طيف التوحد لا سيما ما ارتبط منها بخبرات
ماوراء الانفعال.
5- ينبغي
تأسيس ونشر المراكز والمؤسسات العاملة في مجال اضطراب طيف التوحد في أطراف المدن
والقرى والأرياف بشكل عادل ومنصف الى جانب تلك المتوافرة في مراكز المدن.
-------------------------- انتهى












