01 أبريل 2022

 توهم المرض 

توهم المرض                               أ.د. عباس علي شلال

يعد توهم المرض اضطراب نفسي يجعل الفرد يتوهم بإن مرضه عضوي وقد يكون خطيرا ، مع ان المشكلة في حقيقتها نفسية المنشأ وهي تجعل المتوهم يشعر بالضعف، والتردد، والقلق، وضعف الثقة بالنفس وقد يرجع الى الحاجة الشديدة لجذب الانظار ولفت انتباه الآخرين.

وان متوهمي المرض يشتكون بصورة متكررة من تضايقهم من اعضاء عدة من اجهزة الجسم وانهم في اغلب الاحيان يولون اهتماما اكبر بعلم اسباب المرض لاهتمامهم بإحساساتهم الجسمية والعقلية ، اذ تصبح الاعراض دائما مستمرة كردود فعل لضغوط الحياة.

وقد يكون توهم المرض ناتجا عن الضغوط التي يتعرض لها الاشخاص من خلال مواقف الحياة اليومية المختلفة لاسيما ما كان منها مرتبط بالعمل وطبيعة المهنة وظروفها وما تطلبه من إجهاد نفسي وما ترافقها من حالات الضغط والاحتراق النفسيين والاجهاد العصبي الواضح.

توهم المرض ناتج عن عوامل نفسية ضاغطة، ويستنتج المضطرب من سياق عملية تفسير ذاتي لعلاقات واحساسات فيزيولوجية بسيطة تحدث معه امكان تعرضه لمرض خطير فيبدي اهتماماً مبالغاً في صحته وتسيطر عليه مخاوف مرضية واعتقادات وهمية تدعم فكرة وجود المرض وتتمحور حول مظاهره واعراضه المتخيلة.

 


نافذة تعريفية للمفهوم

توهم المرض.. يمكن القول انه يمثل اضطراب في الاحساسات الجسمية، ويكون مصحوبا بقلق ويشكو الخص من تنملات وثقل في المعدة والالام وحروق تتضخم احساساته الى ان تصل الى اقتناعه بمرض عضوي خطير.

وأشارت اليه الجمعية الامريكية للطب النفسي في مراجعتها الرابعة (DSM4)(1994( بانه انشغال الفرد ومخاوفه من ان يكون مصابا بمرض حقيقي او الاعتقاد بذلك مرتكزا على سوء تفسير علامة او عرض او علامات واعراض جسدية.

ويمكن لنا وصفه بأنه سلوك عصبي قسري ناتج عن تفسيرات لا عقلانية كإحساسات بآلام جسمية غير حقيقية مصحوبة بانشغال مبالغ فيه في الصحة الجسدية تقود الافراد الذين يتسمون به الى افتراض عام وقناعة بانهم مصابون بمرض عضوي خطير .

خلفية سيكولوجية لتفسير المفهوم

توهم المرض (المُراق).. يطلق مصطلح (متوهمي المرض) على الاشخاص الذين تكثر شكواهم وخوفهم من ان يكونوا مرضى، ويصنف توهم المرض ضمن طائفة الاضطرابات ذات الشكل الجسدي التي تنتمي اليها طائفة اخرى من الاضطرابات كاضطرابات التجسيد واضطرابات الألم ذات الشكل الجسدي وتشترك هذه الاضطرابات مع بعضها بشكوى المرض المتكرر من اوجاع جسدية، حيث يقوم المرضى بمراجعة الاطباء باستمرار، والذين يؤكدون لهم انهم لا يعانون من أي مرض يبرر سبب معاناتهم من هذه الشكاوى وعندما يشك الطبيب بإمكانية وجود السبب النفسي، يرفض المعنيون ذلك.

كما لا توجد احصاءات دقيقة حول انتشار توهم المرض لدى الناس بشكل عام، غير ان الدراسات تشير الى ان حوالي 50% من المرضى الذين يراجعون الاطباء يعانون من اعراض متفرقة من توهم المرض، ومن ضمن هؤلاء يوجد قرابة (15-30%) هم الذين يتم تشخيص الصورة الكاملة من توهم المرض لديهم.

كما ان الاشخاص الذين يضطربون بتوهم المرض يظهرون حتى قبل حدوث الاضطراب ارتفاع في مستوى التنشيط الفيزيولوجي النفسي، أي انهم يستجيبون للميزات بسرعة وارتفاع في نبض القلب، وضمن هذه الظروف يقود الادراك للارشادات الجسدية كالخفقان المرتفع للقلب او مشاعر الدوار او مشكلات الهضم او الصداع، والتي تعد اضطرابات عابرة عادية جدا يعاني منها كثير من الناس او ترجع بالأصل للإرهاق الذي يمر به الشخص المعني.

وقد ظهر ان المرضى المراقيون (المرضى بتوهم المرض) يمتلكون عتبة منخفضة للميزات الجسدية، أي ان اقل تبدل في الجسد مهما كان يتم ادراكه بسرعة اكبر من الاشخاص الاخرين.


ترى النظرية التحليلية ان تداخل العوامل النفسية هي المسؤولة عن توهم المرض جامعة بذلك النظريات الفرويدية الاولى عن اضطراب علاقات الموضوع والاهتمام الشديد بالذات عبر مفهوم توهم المرض الذي يعد ميكانزيماً دفاعياً للانا ضد الشعور بالذنب، فبعض المؤيدين لذلك يشيرون الى ان المتوهم يوجه رغبات عدوانية تجاه الاخرين تتحول الى شكاوى بدنية من خلال الكبت والازاحة.

ويرى فرويد ويفسر المراق بانه خوف لا شعوري من وقوع اذى جسمي نتيجة قيام رغبة او دافع غير مقبول ومكبوت، ويعتقد انه عندما ينسحب الليبدو الجنسي من المواضيع الخارجية فانه يعيد استمراريته من الذات كلبيدو نرجس (Narcissistic libido) ويفترض ان الدوافع العدوانية الجنسية تتحول الى شراكة بدنية، وقد ينظر الى الاعراض المراقية على انها رغبات للتعاطف والرعاية، كما يرى ان الافراد يكونون اكثر تحملاً للشعور بان هناك شيئا غير صحيح في اجسامهم على ان يشعروا ان ثمة شيء غير صحيح من ذواتهم.

اذ يعد فرويد توهم المرض دفاعا للانا وانه من المحتمل ان يكون الالم تعبيرا عن عقاب الذات بسبب ماض خاطئ ترتبط هذه الافكار بفكرة الفائدة الاولية والثانوية (Primary and secondary gain) وتتمثل الفائدة الاولية بالتقليل من الصراع النفسي الداخلي، في حين تعود الفائدة الثانوية الى النوافذ التي يحصل عليها الفرد عندما يصبح مريضا للحصول والإفادة من (الاهتمام، والدعم، والتعاطف).


وتسلم نظرية تضخيم الاحساسات بأن توهم المرض ينسجم مع تضخيم الاحساسات الجسمية الطبيعية وتعد هذه النظرية الاكثر تدعيماً مقارنة بالنظريات التي ستطرح، اذ ترى ان المضطربين بتوهم المرض يضخمون احساساتهم الجسمية الطبيعية وينسبونها بصورة سيئة الى المعنى المرضي.

ففي عام 1993 تم اقتراح مصطلح اسلوب التضخيم الجسمي ليكون اقرب دلالة من مصطلح توهم المرض، لان الاشخاص الذين يكون لديهم اسلوب من المبالغة الجسدية (السوماتية) يراقبون جيدا احساساتهم الجسدية، وقد يميلون الى سوء تفسير هذه الاعراض على انها مرض.

وتقترح النظرية الادراكية المعرفية "توهم المرض كادراك معرفي لا سوي" وان متوهمي المرض يشعرون بالخوف من المرض من خلال ثلاثة مسالك ادراكية هي: الاول كونهم يضمنون احساساتهم الجسمية الطبيعية، هذه النظرية مدعمة من خلال الاحساس بالمرض وهذا ما ثبت تجريبيا (فمثلا وجدا ان الانتباه والقلق يكونان مرتفعين فيما يتعلق بالإحساس الجسمي الطبيعي لدى اشخاص اصحاء) اذ انه عندما يكون الاشخاص قلقين فانهم يضخمون احساساتهم.

ويتمثل الثاني من كون المضطرين بتوهم المرض يقومون خطأ احساساتهم الجسمية على انها اصبحت غير طبيعية، فعندما يفسر المصابون بتوهم المرض اضطراب المعدة على انه سرطان فان الاشخاص الاصحاء قد يعزون احساساتهم الى الضغط، او ما قد تناولوه في الغداء، وتعود الشكاوى الكثيرة التي يقدمها متوهمو المرض الى الالم والاعراض الغامضة من جزء لا يرى مباشرة من الجسد.


والثالث يفترض ان المصاب بتوهم المرض يعاني من اضطراب التعبير الوجداني (alexithymia) ولهذا يحاولون التعبير عن وجداناتهم عبر اجسامهم.

أما نظرية التغيرات فانها تعد توهم المرض تحولا لبعض الاضطرابات الاخرى مثل الاضطرابات الاكتئابية، واضطرابات القلق وبعض اضطرابات الشخصية مثل اضطرابات الشخصية الوسواسية القهرية، فعلى الرغم من ان بعض العلماء يشير الى ان توهم المرض متغير لظروف اكتئابية الا ان الابحاث الحالية لم تدعم هذه النظرية.

ويرى عالم النفس الروسي بافلوف ان ارتباط ذهن المريض بعضو معين في الجسم دليل على قيام ارتباط شرطي لا تتكرر في وقت ما من اوقات النمو.

وحين يرجع هذا الاضطراب الى الخطأ في التربية والى ظروف تساعد على قيام ارتباط معين بالذات فالطفل الذي ينهى عن طعام معين ويتكرر نهيه، او يؤنب في اوقات الطعام، يتكون في دماغه ارتباط (مادي) يؤدي الى اضطراب وظيفتين في الجهاز الهضمي ويصبح هذا الارتباط الوظيفي مع مرور الزمن عادة يصعب فك ارتباطها في الدماغ، وهذا يؤدي الى حالة الوسواس مع مرور الزمن.

 ----------------------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خبرة ما وراء الإنفعال

  خبرة ما وراء الإنفعال لدى أسرة ذوي إضطراب طيف التوحد أ.د. عباس علي شلال --------------------------------------------------- تمهيد .....