29 مارس 2022

 القراءة الإبداعية.. قراءة غير تقليدية



 القراءة الإبداعية.. قراءة غير تقليدية                                   أ.د. عباس علي شلال

إشكاليات..

يواجه الطلبة في كافة المراحل الدراسية تقريباً صعوبات وتحديات في فهم المادة الدراسية المقروءة لا سيما في الكتب الدراسية المحدثة والتي روعي في تأليفها تحقيق بعض الأهداف التربوية والتعليمية الجديدة كتعليم التفكير وتنمية مهاراته المختلفة؛ وهي بطبيعة الحال نتيجة لتخلف النمط القرائي الذي لا زال مُتّبعاً في مؤسساتنا التربوية والتعليمية ومن قبل المدرسين والطلبة ذاتهم.

والملاحظ ان الطالب المتخرج في المدرسة، بل المتخرج في الجامعة لا يقرأ كما ينبغي أن يقرأ، فهو لا يقرأ قراءة جهرية معبرة، ولا هو يسرع في القراءة الصامتة، ولا يحسن استخلاص معاني ما يقرأ ، ولا يحسن فهم ما وراء السطور، بل انه بنحو عام لا يحب القراءة، ويرى كثير من التربويين ان المشكلة تكمن في قلة الاهتمام بالقراءة عموماً والقراءة الابداعية منها بنحو خاص والذي قد يُفسر أسباب الشكوى التي يقدمها المعلمون والمدرسون بمن فيهم تدريسيو الجامعات من عجز طلبتهم وضعفهم عن تتبع وفهم ما يقدم لهم من دروس ومحاضرات، وكتابة خلاصة ما يسمعون منها.

 


الحاجة الى القراءة الإبداعية..

نظراً لما تمثله القراءة من أهمية في حياة الفرد والمجتمع على حد سواء، واعتماد العملية التعليمية عليها، وأمام التزايد المستمر في المعرفة، وملاحقة لهذا التطور في مفهوم القراءة، وبعد أن كانت عملية نطق وتعرف على الأحرف والكلمات فقط؛ أصبح مفهوم القراءة الآن يقوم على مهارات وعمليات عقلية عليا ومتقدمة.

ومن هنا فقد تطور مفهوم القراءة، فالمدلول الأولي الذي كان ينصرف الى تمكين المتعلم من القدرة على تعلم الحروف والكلمات والنطق الصحيح أصبح قاصرا لا يعبر عن المفهوم الحقيقي لعملية القراءة التي غدت تدل على تلك العمليات المعقدة والتي تدخل فيها العمليات العقلية، وقد عُدت القراءة الأساس في عمليتي التعلم والتعليم ومفتاح رئيس من مفاتيح المعرفة، ومهارة مهمة للنمو المعرفي، لذا فهي مهمة بالنسبة للطلبة، لأنهم بحاجة ماسة الى أن يتعلموا كيفية التفكير بنشاط في اثناء عملية القراءة، الأمر الذي يفرض على المدرس متابعة الطلبة ومراقبة تفاعلاتهم مع النصوص المختلفة لضمان انتقالهم من المستوى الحرفي للاستيعاب الى المستويات العليا منه، ونظرا لما نلحظه ونعيشه من تقدم علمي وتطور متسارع في حقول المعرفة وتنوع مصادر المعلومات فان القراءة لا تقف عند المفهوم الضيق والتقليدي لها، بل تتطلب مفهوماً موسعاً ومتجدداً يشمل قدرة الفرد على التفكير، والربط والكشف عن هدف الكاتب، وادراك ما وراء السطور، وتحليل المادة المقروءة وتفسيرها وتقويمها، ثم قبولها او رفضها، لذا يمكن لنا القول بان القراءة نشاط فكري متكامل يستلزم الفهم والاستيعاب والتحليل والربط والاستنتاج والقدرة على التفاعل مع النص المقروء، ومن ثم الانتفاع بها في حل المشكلات.



ولقد انصب الاهتمام بالقراءة في الآونة الأخيرة على تعليمها من أجل التفكير ،الأمر الذي أدى إلى ظهور أنماط جديدة من القراءات، ومنها نمط القراءة الإبداعية، وهذا النمط القرائي الجديد يشير الى عملية يتفاعل فيها القارىء في النص المقروء بحيث يكون ملماً بجوانب الموضوع والاحتمالات الممكنة فيولد علاقات وتراكيب جديدة معتمدا على المعلومات المقدمة اليه في النص وخبراته السابقة وتخيله وذلك يُمكّنه من طرح الأسئلة عن جوانب الغموض في النص، واستكمال معلومات ناقصة، وينشط ويصبح أكثر حساسية للمشكلات التي قد تظهر أثناء القراءة، ويضيف أفكارا جديدة الى محتوى النص، والتنبؤ من خلال المعلومات الموجودة فيه، ويتوقع احتمالات اخرى غير واردة فيه، ويُحّور المقروء الى شكل آخر مستحب ومثير، ويوظف المعلومات والخبرات السابقة ويستخدمها بطريقة جيدة ومشوقة.



وللقراءة الابداعية اهمية كونها ضرورة عصرية يحتمها العصر الذي نعيشه، وتعقد الحياة وتغيرها السريع المتلاحق ، ولايجاد حلول للمشكلات وللوفاء باحتياجات التنمية وتكوين جيل جديد من المبدعين يجعل المادة المقروءة مصدرا للتفكير ويضيف اليها من تفكيره وابداعاته افكارا متنوعة فريدة، كما لها اهمية كبرى في التنمية البشرية سواء على مستوى الفرد او المجتمع فهي تؤدي الى تبني انماطاً عليا من التفكير ، وتُعّود الفرد على الاستقلال الدراسي وتكوين رأي مستقل في الحياة ، وتزيد من الحساسية للمشكلات وتزيد من قدرة الفرد على مواجهتها بالحلول الابداعية ، وتنمي الانشطة والعمليات العقلية اللازمة للبحث ، كما تنمي مهارات العمل الجماعي وتقبل آراء الآخرين وتبني أهداف الجماعة وتزيد الانتماء الى المجموعة من خلال العمل في جماعة القراءة.

 

ما علاقة القراءة بالتفكير ؟

صلة القراءة الابداعية بالتفكير تتميز بالتنوع والتلازم ذلك ان الابداع من أبسط مفاهيمه هو الكشف عن علاقات جديدة وعملية الكشف هذه صفة ملازمة للعقل البشري تعينه على اثراء الصراع الدائم استجابة لحتمية التغيير من أجل التكيف مع الواقع كما ان القراءة في أبسط مفاهيمها وسيلة للتفكير وكل انواع التفكير لا غنى لها عن القراءة، فهي تؤدي دوراً مهما في نجاح الافراد دراسياً وفي الحياة العامة، لانها مع مرور الوقت تصبح اتجاهاً، ثم قيمة لا يمكن تركها او التخلي عنها.



كما ان القراءة تنمي ايجابية المتعلم واعتماده على ذاته وتكوين الوعي لديه وتساعده على التعمق في النص المقروء والوصول الى علاقات جديدة وتساعده ايضا على توليد فكر جديد واقتراح حلول متعددة للمشكلات من خلال الوصول الى استنتاجات واقعية والقدرة على تركيب المعلومات.

ويمكن لنا إجمال الاهمية النظرية للقراءة لا سيما الابداعية منها حسب ما أفاد به جملة من التربويين بأنها:

-        تسهم القراءة الإبداعية في تكوين شخصية الفرد.

-       تساعد على تكوين الوعي لدى أفراد المجتمع..

-       تعد أداة لاكتشاف المعرفة والاتصال بما أنتج العقل البشري وتحقيق التطور والرقي.

-       وتساعد المتعلم على طرح الأسئلة حول المعلومات التي لم تذكر في النص.

-       تنمي لدى المتعلم القدرة على التنبؤ من خلال المعلومات المقدمة لها.

-       وهي مهمة في غرس الثقة بالنفس لدى المتعلم من خلال إضافة فكرة لمحتوى النص.

-       تساعد المتعلم على كتابة عدة نهايات للنص غير مكتملة.

-       وتساعد المتعلم على التعمق في النص المقروء، والتوصل إلى قرارات جديدة ، وتساعد المتعلم على الإنتاج.

 


 نافذة توصيف وتفسير نظرية ..

ننظر الى المفهوم كونه إعادة إنتاج المقروء وتفصيله وتحويله وإعادة تنظيمه والذهاب الى ما هو أبعد من المقروء بابتكار شيء جديد.

وانها تمثل عملية عقلية-وجدانية تتجاوز تعرف الكلمات وفهم النص واستيعابه، وتمتد لتتعمق فيه حتى يصل القاريء الى اكتشاف علاقات جديدة بين الأشياء والحقائق والاحداث الواردة في النص فيولد أفكارا جديدة ومتنوعة ويكشف حلولا متعددة من خلال معلومات النص.

وتمثل تفاعل القارىء مع النص المقروء بادراك المثيرات المحفزة للتفكير الموجودة في النصوص القرائية ، وهذه المثيرات ربما تكون على شكل مشكلات يحس بها القارىء او افكار جديدة للتعبير عنها، وعندما يقوم الفرد بالقراءة الابداعية فهو يجسد الافكار والمعلومات التي حصل عليها من القراءة الى حلول جديدة وابداعية لمشكلات النص.

وويمكن لنا القول بأن القراءة الابداعية نمط من القراءة يستند الى مجموعة من المهارات العقلية الابداعية تمكن الفرد من التفاعل مع النص القرائي بأسلوب فريد يتجاوز فيه الكلمات المكتوبة، من أجل ادراك عناصره ، وتحليلها وربطها بمعلومات خارج النص، وذلك بهدف الوصول الى فهم أكبر ونتاجات أكثر مما حددته كلمات النص.

 


مهارات القراءة الابداعية: بعد الاطلاع على الأدب النظري لمفهوم الابداع لا سيما مهاراته، وكذلك الدراسات المتعلقة بالقراءة الابداعية يمكن تحديد مهارات القراءة الابداعية وحسب الآتي:

1-  الطلاقة القرائية: القدرة بسرعة وسهولة على توليد اكبر عدد ممكن من العنوانات او المرادفات او الافكار او المشكلات او الاستعمالات عند قراءة نص معين ، وعادة ما يكون هذا السيل غير العادي من الافكار ذو هدف وظيفي يشبع فيه الفرد هدفا او اكثر من دوافعه المتعددة.

2-  المرونة القرائية: القدرة على تكييف البناء المعرفي وتغيير الوجهة الذهنية وزاوية التفكير من أجل قراءة النص وفهمه واستيعابه بأساليب مختلفة ، بمعنى تعديل سريع وموجه للأبنية المعرفية وفقاً لمحتوى النصوص والافكار المستجدة وغير المألوفة ، وعادة ما تكون هذه العملية مع النصوص الجديدة وذات المحتويات الغريبة.

3-  الأصالة القرائية: القدرة على الانتاج غير المألوف والذي لم يسبق أن انتجه أحد ،  فهي عملية انتاج استجابات غير شائعة وذات ارتباطات بعيدة من خلال فهم النص القرائي كما يتضح ذلك في اثراء النص بعنوان غير مسبوقة او توقعات جديدة لبعض موارد النص ، وعادة ما يؤشر لذلك هو درجة شيوع الاستجابة مقارنة مع استجابات الاقران.

4-  الحساسية للمشكلات القرائية: القدرة على ادراك التناقضات ومواطن القوة والضعف في النص القرائي ، وكذلك شعور واحساس بان هناك مشكلات او قضايا متنوعة لمصدر بحاجة الى حل او اضافة عناصر مكملة ، ومن ثم معالجته من خلال الحذف او الدمج او الاضافة او التعديل ، او على الاقل طرح التساؤلات عنها.

5-  التوسع في التفاصيل القرائية: القدرة على ادراك اعمق لأبعاد النص القرائي وكذلك التوسع في اضافة عدد من التفاصيل الملائمة لموضوعه بشكل يسهم في تنمية محتواه الجوهري وتقديم اضافات غير شكلية الى حدوده ، وعادة ما تكون تلك التفاصيل مبتكرة ونادرة وتعطى في أغلب الأحيان للموضوعات الغامضة او غير المألوفة.

 


خلفية نظرية (القراءة - الإبداع - القراءة الإبداعية)

القراءة.. تعد القراءة من أهم العمليات التي يمارسها الإنسان عبر التاريخ للحصول على المعلومات التي تلبي احتياجاته وتسهم في حل مشكلاته، فالقراءة لها دور فاعل في تكوين قاعدة معرفية من الخبرات والمعلومات للمتعلم، وبالتالي فهي تعد المصدر الأول للمعرفة والرافد الأساس لها، كما أنها تعد من أهم وسائل التعلم الإنساني التي يكتسب من خلالها الفرد كثير من المعارف والعلوم والأفكار التي تؤدي إلى تطور الإنسان، وانها ما تزال من أهم وسائل نقل ثمرات العقل البشري وآدابه وفنونه ومنجزاته؛ والصفة التي تميز الشعوب المتقدمة.

وتشير الكتابات في الأدب التربوي الى تطور مفهوم القراءة عبر الاجيال، ففي مطلع القرن العشرين كان مقتصرا على تعرف الحروف والكلمات والنطق بها دون الاهتمام بفهم معنى المقروء، وبهذا المعنى تكون عملية ادراكية بصرية صوتية، أي ان مفهوم القراءة كان مقتصرا على عنصر واحد فقط، وهو التعرف الى الحروف والكلمات، والتلفظ بها، ولذا فان هدف المعلمين آنذاك أن يتقن التلامذة عمليتي التعرف، ومن ثم النطق.



بعد ذلك أخذت أهداف القراءة تتضح أكثر نتيجة البحوث التربوية، فأصبح يشير الى التعرف على الرموز ونطقها ، وترجمة هذه الرموز الى ما تدل عليه من معان وأفكار، فاصبحت القراءة عملية فكرية عقلية ترمي الى الفهم، أي ترجمة هذه الرموز الى مدلولاتها من الافكار، وبالتالي اضيف الى مفهوم القراءة عنصر ثان وهو الفهم، ونتيجة للأبحاث التربوية في المجال تطور هذا المفهوم وتم إضافة عنصر آخر للقراءة، وهو تفاعل القارئ مع المادة القرائية، ثم تطور إلى توظيف ما يقف عليه القارئ من فهم.

ثم بدأ مفهوم القراءة يتطور سريعا حيث اتسعت أهدافه وغاياته ووظائفه وكذلك أساليب وإستراتيجيات تعليمه، الى ان اضحت القراءة اسلوبا من اساليب النشاط الفكري في اكتساب المعرفة واكسابها وكذلك في تنمية التفكير وحل المشكلات، والذي يستعمل مهارات معرفية وعمليات عقلية اكثر تعقيدا ومنها الفهم والاستيعاب والربط والاستنتاج والتحليل والنقد والتطبيق والتي غالبا ما تستعمل بهدف الانتفاع من النص المقروء.



مما سبق نشير إلى أن مفهوم القراءة كان منحصراً في دائرة ضيقة لا تتعدى الإدراك البصري للرموز المكتوبة ونطقها، لكن تطور هذا المفهوم وأصبحت القراءة عملية عقلية ترمي الى الفهم وترجمة الرموز المقروءة إلى مدلولاتها من الأفكار والمعاني، ولم تتوقف القراءة عند هذا المفهوم بل أصبحت عملية تفاعل بين القارئ والمقروء تفاعلا يدفعه لإظهار استجابات حول النص المقروء والنظر إلى أبعد مما يتضمنه النص، وصولاً إلى ما يعرف بالقراءة الإبداعية.

وان مفهوم القراءة يختلف باختلاف تفسيرات السلوك القرائي، وهذه التفسيرات تتعلق بوجود المعنى الذي يرمي اليه القارىء في النص المكتوب، وباستنباط المعاني من رموز ذلك النص وبتكامل العوالم الفسيولوجية والعقلية والانفعالية وبالتفاعل بين القاريء والنص وبتفسير المعاني الكامنة في سياق النص والسياق العقلي للقارىء، وبإعادة بناء النص بالتواصل الفكري والوجداني والثقافي بين القارىء والكاتب.

وعليه يمكن القول بان القراءة نشاط فكري يقوم على انتقال الذهن من الحروف والاشكال التي تقع تحت الانظار الى الاصوات والالفاظ التي تدل عليها وترمز لها، وعندما يتقدم المتعلم في القراءة يمكنه ان يدرك مدلولات الالفاظ ومعانيها في ذهنه دون صوت او تحريك شفة.

 


الابداع..

وفق الاتجاه التحليلي يرى فرويد (Froude) ان الإبداع هو عبارة عن وسيلة دفاعية تدعى الإعلاء  Sublimation ويرى انه ينشأ بسبب الصراع النفسي بين المحتويات الغريزية الجنسية والعدوانية (اللاشعورية) وبين الحياة الواقعية للمجتمع، كما ربط بينه وبين اللعب، أما (يونك) فانه يعتقد ان العقدة الإبداعية تتطور بلا وعي منذ البداية وتستمر في التطور حتى لحظة معينة لتخرج الى الوعي، ويؤكد ادلر (Adler) ان الإبداع ينتج بسبب الشعور بالنقص ، لان الشعور بالنقص العضوي يدفع الشخص الى مواجهته وبشجاعة وذلك عن طريق التعويض.

أما اتجاه الجشتلت (إتجاه ألماني في الإستبصار) فيؤكد على ان الشخص المبدع لديه حساسية جمالية تمكنه من انتقاء الاختيار الوحيد المطروح من بين عدة اختيارات، والإبداع  هنا يبدأ عادة مع مشكلة ما وعلى وجه التحديد تلك التي تمثل جانباً غير مكتمل -ناقصاً بشكل او بآخر- وعند صياغة حل للمشكلة ينبغي ان يؤخذ الكل بالحسبان ، أما الأجزاء فيجب فحصها وتدقيقها ضمن اطار الكل ، ويميز أصحاب هذا الاتجاه بين الحلول القائمة على اساس التعلم ، والحلول التي تأتي صدفة وبين الحل الإبداعي، والفكرة الإبداعية عنده هي التي تظهر فجأة على اساس الحدس وفهم المشكلة وليست التي تأتي على اساس السير المنطقي.



اما الاتجاه السلوكي لا سيما العالم سكنر فيرى ان هنالك تفاعل بين عاملي الوراثة والبيئة في حدوث الإبداع ويرى ان التفكير الإبداعي هو ذلك النمط من التفكير الذي يلقى التعزيز الايجابي او الإثابة مما يؤدي الى إمكانية استمراره ، ويعد واطسون (Watson) ايضا من رواد هذا الاتجاه ، والذي يرى انه يتم التوصل الى الاستجابة الابداعية عن طريق تناول الكلمات او التعبير عنها حتى نصل الى نمط جديد، إلا ان عناصر التكوين تكون كلها قديمة (جزء من المخزون السلوكي لدى الشخص) ، وما يحدث هو تركيبها في انماط جديدة نتيجة للتغيير المستمر في أنماط المثير.

بينما يرى أصحاب الاتجاه الانساني ومنهم ابراهام ماسلو (Maslow) ان الافراد جميعاً لديهم القدرة على الإبداع وان تحقيق هذه القدرة يعتمد على المناخ الاجتماعي الذي يعيشون فيه،  ويميز ماسلو بين الشخص المبدع المحقق لذاته والشخص المبدع ذي الموهبة الخاصة فهو يفهم ان الشخص المبدع المحقق لذاته يعيش العالم الحقيقي من الطبيعة أكثر من أولئك الذين يعيشون عالم النظريات والمجردات، أما روجرز Rogers فانه يفترض أن لابد من وجود شي يمكن ملاحظته على انه نتاج للإبداع، ولابد ان يكون هذا النتاج أصيلاً ، فهو يعرف العملية الإبداعية على انها ظهور إنتاج أصيل ينمو من فردية الفرد والمواد والإحداث وظروف الحياة.

ومن خلال الاتجاه المعرفي فان الإبداع هو حالات سيطرة الوعي والتفاعل الذهني ويتضمن عمليات ذهنية كالانتباه والإدراك والوعي والتنظيم والترميز والوصول في النهاية الى تشكيل او إبداع خبرة جديدة، ويرى شنك Shank ان الإبداع عملية دينامية حيث تبدأ من مرحلة توليد الأفكار الجديدة مما هو معلوم الخبرات السابقة لدى الفرد وان التذكر قدرة ذهنية فاعلة في العملية الإبداعية والتي تتطلب توافر مخزون معرفي من المفاهيم والتعميمات والتفسيرات ، والإبداع يتكون من عمليتي البحث والتعديل ويرى انه يقوم على عمليتي (اكتشاف موضع الخطأ او الخبرة المعروضة ، والقدرة على إثارة الأسئلة الصحيحة).



والإبداع ينجم عن الحاجة الملحة لتصحيح الأخطاء وفهم ما هو غير مألوف في العالم المحيط بنا وتفسير القضايا الشاذة عندما يتم تحديد موضع الخطأ ثم تبدأ بتفسير ذلك، ويشير ولبي وجيمس (Welpy & James) الى ان العملية الإبداعية تتكون من تحول مرحلي بين مرحلتي الانفتاح والانغلاق ، بينما يشير اوزبورن (Osborn) الى ان عملية حل المشكلات تتكون من ثلاث مراحل هي الكشف عن المشكلة واكتشاف الفكرة والتوصل الى الحل المبدع.

ويرى بياجيه انه عملية يومية مستمرة مصاحبة للإنسان بشكل دائم وأداء طبيعي يقوم به باستمرار، وقد أشار الى ان الهدف الرئيس للتربية هو خلق رجال يتمكنون من عمل أشياء جديدة وليس إعادة الأشياء القديمة التي أدتها الأجيال السابقة وتشكيل العقول التي لا تقبل كل شيء يقدم لها من دون تمحيص وتدقيق وتحليل.



القراءة الابداعية ..

أصبحت القراءة الابداعية ضرورة عصرية يحتمها التغير الذي نعيشه، وتعقد الحياة وتطورها السريع، والحاجة الى ايجاد حلول للتعقيدات والمشكلات، والوفاء باحتياجات التنمية البشرية، وتكوين جيل من المبدعين يجعل المادة المقروءة مصدرا للتفكير، قادرا على إضفاء ما أمكنه اليها مما يمتلكه في رصيد الوعي والابداع والتفكير والمعرفة من أفكار فريدة ومتنوعة.

ومصطلح القراءة الابداعية مصطلح حديث يشير الى عملية عقلية وجدانية تتجاوز تعرف الكلمات وفهم النص واستيعابه وتمتد للتعمق فيه حتى يتوصل القارىء الى اكتشاف علاقات جديدة بين الاشياء والحقائق والاحداث الواردة في النص ويستطيع القارىء المبدع ايضا ان يولد افكارا جديدة متنوعة ويكتشف حلولا جديدة متنوعة من خلال المعلومات المقدمة اليه في النص.

وقد تطرق كثير من التربويين والمهتمين بالقراءة الى مفهوم القراءة الابداعية ، فهناك من يعرفها بأنها عملية يتفاعل فيها القارىء مع النص المقروء بحيث يصبح حساسا للتناقض في المعلومات والبدائل المتاحة ، ويولد علاقات جيدة معتمدا على معلومات النص وعلى خبراته السابقة، وكذلك عرفت بأنها عملية تتنوع فيها العمليات العقلية التي يمر بها القارىء ويتوصل من طريقها الى الافكار الاصيلة وزيادة الرصيد اللغوي من خلال توظيف أفكار النص المقروء بطريقة فريدة.

تتضمن كذلك اضافة افكار جديدة الى القصة وادراك العناصر المفقودة في النص وطرح اسئلة مثيرة للتفكير ترتبط بالنص بعد قراءته وتوظيف الافكار والحقائق المستخلصة من النص في مواقف جديدة والتنبؤ بالاحداث من خلال المعلومات المقدمة للقارىء في القصة ، وابتكار حلول متنوعة للمشكلة المعروضة بالقصة وابتكار عناوين للنص القصصي وابتكار نهاية للنص القصصي والتعبير عن المقروء بانتاج ابداعي جديد.



ويتضح من مسمى القراءة الابداعية انها وليدة الدمج بين القراءة باعتبارها أحد فنون اللغة وبين الابداع باعتباره مهارة عقلية ، اذن القارىء في القراءة الابداعية يصل في تعامله مع النص المكتوب الى اعلى مستويات التفكير، وان مهارات القراءة قد تحققت لديه بدرجة تمكنه من تطويعها لاغراضه المختلفة بمرونة عالية، وادائها بدرجة عالية من التفرد والاصالة وتنوع وغزارة اساليب استخدامه.

وهناك ارتباط وثيق بين القراءة والتفكير، فالقراءة هي فك الرموز والرموز لازمة للتفكير وتؤدي القراءة دورا في تكوين المفاهيم والمدركات الكلية في العمليات العقلية كالتحليل والادراك والحكم والاستنتاج.

ويأتي ارتباط القراءة الابداعية بالتفكير كون القراءة الابداعية أبرز مجالات النشاط اللغوي إذ تساعد الطلبة على تكوين أبنية لغوية تكون في النهاية وسيلة من وسائل التفكير لذا فمفهوم القراءة الابداعية الحديثة قائم على النظر ثم الادراك للمعاني والرموز ومن ثم الفهم ثم النقد التفاعلي ثم توظيف المقروء في واقع الحياة فهي عملية عقلية وابداعية.

ووصول القارىء الى هذا المستوى يعني انه قد نجح في اجتياز جميع المستويات السابقة، وانه قد استدمج ما طرحه الكاتب من افكار في سياق خبراته الذاتية، واعاد ترتيبها وتشكيلها حتى اصطبغت بافكاره ومشاعره وصارت جزءا من تكوينه.

 ----------

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

خبرة ما وراء الإنفعال

  خبرة ما وراء الإنفعال لدى أسرة ذوي إضطراب طيف التوحد أ.د. عباس علي شلال --------------------------------------------------- تمهيد .....