الشخصية أحادية العقل
الشخصية أحادية العقل --- أ.د.. عباس علي شلال
في ظروف الإنسانية
المعاصرة وواقعها الأكثر ميلا إلى الانفتاح والتعدد، بصرف النظر عن مرجعية الفرد
وتقويماته، أصبح ضرورياً التعرض بالبحث والدراسة لكثير من المفاهيم النفسية (المعرفية والانفعالية) لاسيما ما كان له الدور الواضح والكبير في بلورة وصقل شخصية
الفرد وفي صياغة الإستجابات وصناعة السلوكات، من أجل فهم أعمق لتلك الشخصية والتحضير لمستقبل واعد نسهم فيه ببناء ذات أو شخصية سوية غير متشددة ولا متعصبة، بل عاقلة
ومتوازنة وفاعلة، وغير متخفية وراء نسق متوهم من اليقين، بل مقبلة على اكتساب
خبرات جديدة، واختبار الأفكار، وطرح الأسئلة، وممارسة النقد، مع الإبداع الأصيل.
لهذا تعد العقلية التي
تسلم بتعدد الأبعاد والرؤى ويعمل صاحبها ويتطور وفق هذا التعدد هي العقلية التي
تنمو وتتطور في مناخ صحي، وتسهم في ترسيخ القيم الانسانية العليا ((واذا أمكن في
الجهة الاخرى ان نفترض مفهوما يختزل مجموعة عريضة من المفاهيم التي تعبر عن عدم
السواء فسيكون هو مفهوم "أحادية العقلية"))، التي لا يمكن تعريفها منفصلة عن
مفاهيم أخرى كالتعصب، والتحيز، والتشوه المعرفي، والادراكات الخاطئة، والتصلب،
والنفور من الغموض، والانغلاق المعرفي، وتتداخل هذه المفاهيم مع احادية العقلية
والذي يختزل القدر الأكبر من تباين كل هذه المتغيرات او الخصائص.
الشخص الأحادي العقلية..
إن من يتأمل شخصية الفرد
أحادي العقلية بنحو من التحليل يجد خللاً واضحاً في أسلوب التفكير ومستواه، وكذلك طريقة
التحليل، وطريقة العمل والأداء وقد يكون ذلك نتيجة لترسبات من التقاليد الاجتماعية اللاعقلانية، والتنشئة الأسرية التقليدية، وان منسوب التشدد المتصاعد لديه ورفض
الآخرين ليست نتاج قراءات دينية أو اجتهادات فكرية فقط تمخضت في النهاية على
أطروحة التمسك في الآراء، او الانغلاق الفكري، وعدم قبول التغيير؛ بل انها نتاج
نمط شخصية اتصف بأحادية العقلية.
أن أحادية العقلية كما
يراها روكيتش Rokeach
نمط شخصية شامل لا يكشف عن نفسه في عادات
التفكير والعمل فقط، بل في كثير من الجوانب السلوكية والمجالات المختلفة التي
يمارس فيها السلوك من مجالات الحياة اليومية المختلفة.
ان أحادي العقلية هو شخص
نمطي يستوفي الصورة الواقعية للشخصية التقليدية، والذي خصائصه انه شخص مشوه
المعلومات، يصعب عليه التوافق مع التباين والاختلاف، ولا يستجيب لوجهات النظر أو
الآراء الأخرى بسهولة، يعرف أنه يترك انطباعاً سلبياً لدى الآخرين ويضايقه ذلك،
وهو يعتقد أنه يملك حلولا جاهزة لأغلب المشكلات التي تواجهه، ويشعر أنه يستطيع
اتخاذ قرارات حاسمة في الوقت المناسب.
وهو لايخلو من المخاوف
المختلفة، ويشعر بالقلق عند مواجهة مواقف أو التواجد في الأماكن الجديدة عليه، وهو
يعتقد أنه شئ متميز وكفؤ ومدرك للأمور، لا يثق في الناس ولا يغير من أفكاره عن
الآخرين، ويتهمهم بالسعي لتحقيق منافع خاصة من سلوكاتهم وصداقاتهم، كما يعاني من
الاستغراق التام في أشياء بعينها حتى أنه لا يستطيع أن يقرر ما يفعله.
كما أنه شخص بلا هوايات
ولا تفاعلات اجتماعية واسعة، وتقليدي في كل شيء، لأنه أحادي الاختيار وله طراز
معين ومحدد في معظم شؤون الحياة ولا يحب تغييره، كما أنه يعمل تحت توتر شديد،
وحياته خالية من الأشياء المهمة ، ولا يغير أفكاره عن الناس، وهو كثير الشك ،
يعتقد أن الناس يتآمرون ضده، وشديد العناد.
نافذة في تعريف المفهوم..
الشخصية أحادية العقلية ..
نمط منتظم من الاستجابات النفسية غير المتزنة تتمثل
بالحل القاطع، ودرجة عالية من التمسك بالآراء والتقاليد، والميل لمقاومة التغيير.
وتشير تجنب الموضوعات الاجتماعية المعقدة التي تتسم
بالعناصر المتعارضة ، والتعامل مع أي شيء على انه أبيض أو أسود والذي يؤدي عادة
الى استجابات حادة.
ويمكن القول انها مجموعة الخصائص المعرفية والمزاجية
التي تشكل سلوكاً متسقاً يتعارض مع قبول التنوع، ويرفض الحركة بين البدائل، ويدور
في اطار تقريري ويتجنب الاحتكاك بالجديد او المجهول ويحتمي باليقين والمجرب، لا
يرى الا ما يريد أن يراه، استبعادي أكثر من كونه انتخابي يتحرك وفق مسارات صارمة،
ويتجاهل الاحتمالية، ولا يستطيع أن يتحول الى التفكير التغييري الطابع، ويعزل نفسه
عن مجتمعه، ويكرس نفسه لأهداف ضيقة ومحدودة.
خلفية
نظرية في توصيف وتفسير الشخصية أحادية العقلية
ان الشخص الناضج قادر على أن
يتدرج في استجابته الوجدانية، انه يستطيع أن يفرح بدرجات ويغضب بدرجات، ويسر
بدرجات ويحزن بدرجات أيضا، وذلك في مقابل الشخص غير الناضج الذي تصدر استجاباته
بطريقة الكل أو اللاشيء، ذلك يتحرك من طرف إلى الطرف الآخر بالتدريج، وهذا ينتقل
فجأة أو باندفاع، فالشخص الناضج يتمكن من أن يؤجل بعض استجاباته، بعكس غير الناضج
فإنه كالطفل الذي يتميز بالاندفاع شبه الآلي.
وما تكرار بعض الاستجابات
والأنماط السلوكية بشكل كثير إلا دليل على ضعف النضج، والذي يؤدي بدوره الى تدهور
عمليات التوافق، حيث تقل مرونة الشخص وكذا تقل قدرته على التكيف، وكثيراً ما تنتج هذه
العوامل الاضطرابات النفسية.
ومن الظواهر المبكرة التي تظهر
في الطفولة، والتي يمكن أن نعدها عصابية التكرار الجامد لأفعال معينة في اللعب،
فمن أعراض المرض النفسي في الطفولة تكرار أنماط معينة من السلوك تكراراً ملحاً،
كما إن جوهر المرض النفسي في الطفولة هو نوع من السلوك يتكرر آليــــاً بصـــرف
النــــظر عن المــــواقف أو النتـــائج المترتبة علــيه، وقد حدد فينشل (Fenichel) جوهر السلوك العصابي بطريقة
مشابهة، فالمرضى بدلاً من أن يستجيبوا بحيوية للمنبهات الفعلية بحسب طبيعتها
الخاصة، نجد إنهم يستجيبون مراراً وتكراراً بأنماط جامدة، ويمكن توصيف العصاب بأنه
سلسلة من تلك الاستجابات الجامدة للمشكلات التي لم يحلها المريض في الماضي أبدا،
ولا يزال عاجزاً عن حلها في الحاضر.
وبما ان ظروف الحياة في تغير ديناميكي
لذا يضطر الكائن الحي الى أن يعدل استجاباته أو يغير نشاطه كلما تغيرت ظروف البيئة
التي يعيش فيها، وقد يضطر أحيانا إلى إحداث تغيير في البيئة، وإذا أحبط سعي
الإنسان فأنه يحاول أن يزيد من مجهوده لإزالة العائق عن طريقه، فإذا فشل في ذلك
فإنه يحاول أن يلتمس طريقاً آخر، وان يغير من وسائل حله للمشكلة، فإذا فشل في ذلك
فانه يلجأ إلى تغيير هدفه، وهذا ما يتطلبه التوافق من تغييرات في سلوك الفرد
وتفكيره واتجاهاته، وتفرض عليه هذه التغييرات أن يكون على درجة كبيرة من المرونة
والمطاوعة والقابلية للتغير، فإذا عجز التغير عن إشباع دوافعه، فانه قد يتعرض لمعاناة
مشاعر الإحباط والفشل.
وهذا ما جاء تأكيده في آراء
عالم النفس كيرت ليفن (Lewin)
عندما حاول التفريق بين الطفل السوي وغير السوي (ضعيف العقل)، إذ يقول : أما لدى
الطفل السوي فمجرى التشبع أكثر اتصالاً من الطفل ضعيف العقل بكثير، فهو يستجيب
للصراع بطريقة أكثر مطاطية (More elaeic) أو أكثر ليناً، إذ يجد بسهولة طريقاً لعبور الصراع
دون أن يتوقف فعلاً عن مواصلة العمل، ويستعين على ذلك ببعض ضروب النشاط الجانبية
أو بوسائل أخرى، إن سلوك ضعيف العقل إذن أكثر تقطعاً، أكثر إتباعا لمبدأ "أما-أو"
.
وقد وردت مفاهيم التصلب والجمود
والمرونة والتوتر عند عالم النفس ليفين (Lewin) ضمن
مفاهيمه التي تعد الشخصية بناء متمايز من النظم السيكولوجية، وان التصلب أو الجمود
وهو العامل الذي يحدد العلاقة بين تلك النظم السيكولوجية، اذ يرى إن الأفراد
يختلفون في درجة تمايز النظم النفسية التي تكون شخصياتهم، فنجد إن الطفل في السنة
الأولى من العمر اقل تمايزا من الراشد، ولو استبعدنا عامل السن وقارنا بين شخصين
متساويين لوجدنا إنهما مختلفان من حيث العلاقة بين النظم المختلفة، وهذه النتيجة
لاختلافهم في درجة التصلب والمرونة وكذا درجة التوتر.
وقد استعمل ليفين مفهوم التصلب
ومفهوم المطاطية ومفهوم المطاوعة ومفهوم التوتر، ومفهوم ما سماه السلوك المتقطع، فكلما
زاد تمايز النظام كانت نظمه الفرعية أكثر تغايرا وتخصصا، وكلما كانت النظم الفرعية
أكثر تغايرا وتخصصا كان عدد الوظائف الخاصة التي يمكن أن يؤديها النظام أكثر ، إن
التمايز النفسي يشير إلى الدرجة التي يكون فيها مجالات الأداء النفسي عند الفرد
مثل (الشعور والإدراك الحسي والتفكير) مستقلة بعضها عن البعض الآخر وقادرة على
أداء وظائفها ضمن طابع خاص، وبعبارة أخرى كلما الأداء النفسي للشخص أكثر تمايزا كان
المرء اقدر على القيام باستجابة خاصة لمثير خاص، بدلا من الاستجابة المشوشة
لمثيرات كثيرة، ففي الإدراك الحسي، تعني الدرجة العالية من التمايز إن المرء
يستطيع أن يخبر بسرعة ويستجيب لأجزاء مفردة في مجال إدراك حسي، بدلا من الاستجابة
للمجال ككل.
والمدقق في نظرية وآراء
ليفـــين Lewin يلاحظ انه استخدم هذه المفاهيم في وصف السلوك
أحيانا فيقصد بمفهوم التصلب والتوتر والسلوك المتقطع هو السلوك الذي يثبت على
الاتجاه نحو هدف معين لا يتزحزح عنه، أو مجموعة العادات التي يتمسك بها الشخص بشدة،
وأحيانا أخرى كان يستخدم هذه المفاهيم لوصف بناء الشخصية، من حيث درجة تغاير
الشخصية أي من حيث تعدد وظائفها النفسية.
ويمكن مناقشة الرؤية التي قدمها ليفين في نظريته بإنه حاول
وصف تدني النشاط العقلي والوعي بالعمليات النفسية من خلال ما يمكن تسميته بالنسبة للشخصية
عموماً بانخفاض مستوى النضج الذي يتجلى من خلال شخصية تتصف بالتصلب وارتفاع مستوى
التوتر وسيادة السلوك المتقطع والذي يشير ضمناً الى الشخصية احادية العقلية
واحادية الرؤية، وفي مقابل ذلك يكون النضج النفسي مرتبطاً بالمطاوعة والمطاطية ،
وإعتدال مستوى التوتر، وسيادة السلوك المتصل.
وبنفس
المعنى وصف أستاذ علم النفس أيزنك (Eysenk) التصلب بأنه ميل الشخص إلى التشدد في الاعتقاد وتفضيله المفاهيم
الواضحة القاطعة التي لا تحتمل أكثر من معنى، وقد حاولت الباحثة برونشفيك (Brunswik) أن تقدم
وصفاً لهذه الشخصية من خلال مفهوم النفور من الغموض في ان بعض الناس الذين يجدون
صعوبة في التعامل مع الغموض أو عدم التوافق المعرفي ومع الأشياء غير المألوفة،
ومثل هؤلاء الناس قد يظهرون ميلاً عاماً نحو التقسيم الثنائي للعالم ، منهم يرون
الناس والأشياء على أنها جميعا إما خير أو شر، ويرون العالم على انه إما اسود أو
ابيض، وحينما يواجهون بموقف غامض فهم يسرعون الى تفسير محسوس، وهذا الأسلوب
الثنائي في التعامل مع المواقف الغامضة يسود تصرفاتهم ومعارفهم المتعلقة بالأشخاص
والأشياء ويسود علاقاتهم الشخصية المتبادلة وأساليبهم في مواجهة المشكلات.
أما كونين (Konnine)فقد بين أسباب الشخصية التي تنتج السلوك الذي يتذبذب (أو ينتقل دون تدرج)
بين عدد من القوالب، أو بعبارة أخرى ما سماه بالسلوك المنمط حيث حددها بثلاثة أسباب هي:
انخفاض درجة تغاير بناء الشخصية، أو الفقر في بناء الشخصية، فكلما تجانس البناء قل
الرصيد السلوكي للتنوع الذي سيقابل الشخص به تنوعات مواقف الحياة ومقتضيات التوافق،
والنتيجة الظاهرة لذلك هو تصلب السلوك واحادية العقلية؛ وانخفاض درجة التغاير في
بناء منطقة بعينها من مناطق الشخصية، مما يترتب عليه تصلب السلوك المعتمد على هذه
المنطقة، وانخفاض مستوى الشعور بالأمن والطمأنينة في موقف معين كالخوف من الفشل،
وعدم التأكد على النتائج التي ستترتب على خطوتنا التالية، والتردد والتوجس فيما
يتعلق بالمواقف غير المألوفة.
ان نمط الشخصية احادية العقلية وصاحبة
البعد الواحد لا ترى الا نصف الحقيقة تحجب عن صاحبها النصف الآخر، وهي بذلك معيق
أساس للشخصية وبنائها، وصاحب هذا النمط لا يستطيع أن يدرك ثراء البدائل والتنوع
والاختلاف، فهو يتبع خطاً أحاديا متسقاً ومتصلباً في عادات العمل وأساليب التفكير
والاتجاهات حول امور الحياة المتنوعة ، ونمط الشخصية هذا لا يجدي معه حوار أو نقاش
كونه صعب التغيير والتعديل، لا يستطيع ان يدرك الدرجة الرمادية بين الأبيض والأسود،
فهو فاقد للمرونة والتسامح والتقبل.
وفي هذا الصدد يميز روكيتش Rokeach بين مفهومي
التصلب والدوغماتية اللذين يشتركان في سمة مقاومة التغيير، وان الاول يختص بمقاومة
التغيير بالنسبة (لمعتقد) فردي، بينما الثاني مقاومته للتغيير بالنسبة (للأنساق
الكلية للمعتقدات) فالدوغماتية مرتبة أعلى وشكل ذو تنظيم أعقد من مقاومة التغيير.
وينظر اليه على انه مظهر من
مظاهر الانحراف الفكري والارتباط برؤية منغلقة ازاء القضايا والمشكلات سواء على
المستوى الشخصي أو العام، حيث العجز عن استيعاب ما يدور في العالم من تحولات بالغة
الحدة وكيفية مواجهة هذا السبيل المتدفق من تعددية في الفهم والاتجاهات والنماذج ،
وهو من انواع الانغلاق الفكري وما يتضمنه من نظرة اقصائية من حيث استبعاد للرأي
الآخر بمختلف الأساليب والوسائل، وان استبعاد الآخر سمة أصيلة من سمات الرؤية الاحادية او المنغلقة على أساس ان الذي
يتصور امتلاكه وحده للحقيقة المطلقة يتعذر عليه التعايش مع الآخر.
------------------------------------------------











.jpg)








.jpg)






